ستذكرون بمرارة يوم الـ”28 من فبراير”
2026-03-02 - 20:36
قد تُذكر الأيام الأخيرة من فبراير/ شباط 2026 باعتبارها اللحظة التي انهار فيها نظام ما بعد الحرب الباردة رسميا أمام مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى بالوكالة؛ ففي ضربات منسقة وصفها المسؤولون بأنها استباقية، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة جوية ضخمة ضد إيران، استهدفت منشآت نووية وبنية تحتية عسكرية ومجمعات قيادية عليا في عدة مدن. وأفادت الأنباء عن وقوع انفجارات في طهران وغيرها من المراكز الحضرية الكبرى، فيما انتشرت إغلاقات المجال الجوي والتعبئة الطارئة في أنحاء المنطقة. وردت إيران بسرعة برشقات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيرة استهدفت إسرائيل، وكذلك وبنى أمريكية ومنشآت تابعة لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ما دفع عدة دول إلى إعلان حالة تأهب قصوى وأثار مخاوف من حرب إقليمية أوسع. وتشير تقارير وسائل الإعلام الدولية إلى أن مئات المواقع تعرضت للهجوم فيما قد يكون أكبر عملية جوية إسرائيلية حتى الآن، والتي نُفذت بالتنسيق مع واشنطن، كما أن مقتل واستهداف القيادة العليا يبرزان طموحات العملية على مستوى النظام. وفي اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من أن الضربات تنتهك القانون الدولي وتعرض المنطقة لخطر تصعيد كارثي، داعيا إلى العودة الفورية للمفاوضات. غير أن الدبلوماسية تبدو غائبة، ومع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، واضطراب الأسواق العالمية، وامتداد الهجمات الانتقامية عبر الحدود، يقف الشرق الأوسط – المثقل أصلا بصراعات متعددة – على حافة حرب نظامية قد تمتد عواقبها إلى ما هو أبعد من المنطقة. وهم “نهاية التاريخ” حين أعلن فرانسيس فوكوياما عام 1992 أن الديمقراطية الليبرالية قد تمثل “النقطة النهائية لتطور البشرية الأيديولوجي”، فقد عبر عن تفاؤل لحظة بدا فيها انتصار الغرب دائما، ورأى أن البشرية بلغت “نهاية التاريخ ككل”، وهذا لا يعني توقف الأحداث بل استنفاد البدائل الأيديولوجية القابلة للتطبيق. لكن المشهد اليوم يوحي بشيء مختلف تماما: ليس نهاية التاريخ، بل عودته العنيفة؛ حيث تقدم العصور الكلاسيكية مثالا موازيا مثيرا للتأمل؛ ففي كتاباته عن الحروب اليونانية الفارسية، لاحظ هيرودوت أن الصراع لا ينشأ فقط من المصالح المادية بل من الخوف والشرف والشعور المتصور بالظلم، وهي قوى تتجاوز العصور. ويوضح سردُه أن الإمبراطوريات نادرا ما تقبل التوازن؛ فهي تسعى إلى الأمن عبر الهيمنة، ومما يؤدي بها غالبا إلى إثارة التهديدات التي تسعى للقضاء عليها. وتعكس الأزمة الراهنة هذه الديناميات المستمرة؛ حيث يرى المدافعون عن الضربات أنها ضرورية لمنع انتشار الأسلحة النووية وزعزعة الاستقرار الإقليمي، أما المنتقدون فيحذرون من أن حروب تغيير الأنظمة أدت تاريخيا إلى فوضى أسوأ بكثير من المخاطر التي تزعم منعها. وحذرت أصوات متنوعة في الولايات المتحدة بشكل غير معتاد من التصعيد؛ فقد جادل الاقتصادي جيفري ساكس في تعليق حديث بأن المواجهة مع إيران تنطوي على خطر حدوث رد فعل كارثي في المنطقة، وتقوض النظام القائم على القواعد الذي تزعم واشنطن الدفاع عنه. وحذر المعلق المحافظ تاكر كارلسون – الذي يمثل الجناح الشعبوي في السياسة الأمريكية – من أن حربا جديدة في الشرق الأوسط ستستنزف موارد الولايات المتحدة وتورطها في صراعات لا تخدم أي مصالح وطنية واضحة. واللافت أن هذه الانتقادات تتجاوز الخطوط الأيديولوجية، وتعكس تفككا أوسع داخل الحركات السياسية الأمريكية، وقد ظهرت انقسامات حول التدخل الخارجي حتى داخل تحالف “ماغا”، وزادتها الاضطرابات السياسية المرتبطة بالكشف المستمر عن قضية جيفري إبستين. والنتيجة هي تقاطع نادر بين مشاعر مناهضة الحرب لدى اليسار، وضبط النفس القومي لدى اليمين- متحدَين ليس بأيديولوجيا مشتركة بل بإرهاق من الصراع الدائم. وإذا كان فوكوياما قد تخيل عالما يتجه نحو سلام ليبرالي، فإن اللحظة الراهنة تكشف نظاما دوليا متشظيا تتداخل فيه سياسات القوة والمظالم التاريخية والاضطرابات الداخلية لتنتج ظروفا تذكر بشكل مخيف بالمواجهات الإمبراطورية السابقة. الحرب كوضع افتراضي إن الهجوم على إيران ليس حدثا معزولا، فهو يأتي بعد سنوات من تصاعد العنف في عدة جبهات: الحرب المدمرة في غزة، الضم الفعلي لمساحات واسعة من الضفة الغربية، الصراعات المستمرة في السودان، واليمن، والغزو الروسي المستمر لأوكرانيا، كل أزمة من هذه الأزمات كشفت حدود- أو غياب- الاستجابة متعددة الأطراف الفعالة. والنتيجة التراكمية لذلك، هي التطبيع؛ فقد أصبحت الحروب واسعة النطاق، والقتل المستهدف، والنزوح الجماعي، والدمار المدني سمات متكررة في السياسة الدولية بدلا من أن تكون مآسي استثنائية. ويبدو أن القانون الإنساني، الذي كان يُقدم في السابق كإطار كابح للانتهاكات، أصبح عاجزا بشكل متزايد عن ردع الجهات الفاعلة الحكومية التي تسعى إلى تحقيق أهداف وجودية أو إستراتيجية. وتوضح ضربات إيران الانتقامية ضد منشآت مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة كيف تتسع الصراعات الحديثة، فتجر الدول المجاورة بغض النظر عن نواياها، وتتلاشى الحرب بالوكالة لتتحول إلى مواجهة مباشرة؛ وتتصاعد الأزمات الإقليمية لتصبح أزمات عالمية. وفي الوقت نفسه، يعكس العنف الداخلي الصراع الخارجي. فمن حروب الكارتلات في أمريكا اللاتينية إلى عنف العصابات في المدن الكبرى حول العالم، يصبح الحد الفاصل بين الحرب والجريمة هشا، وتمارس الجماعات المسلحة سلطة شبه حكومية، فيما تتبنى الحكومات ردودا عسكرية تزيد تآكل الأعراف المدنية. وتكافح المؤسسات متعددة الأطراف، المصممة بالأساس للتوسط في مثل هذه الأزمات، لمواكبة الأحداث. إن شلل مجلس الأمن، والتنافس على فرض حق النقض، والخصومات الجيوسياسية، كل ذلك يجعل الدبلوماسية رد فعل لا وقاية. في هذا السياق، يتفوق منطق القوة بشكل متزايد على منطق التفاوض. إن الحرب، التي كانت في الماضي فشلا للسياسة، تبدو الآن سياسة بوسائل أخرى – لا كاستثناء، بل كنظام تشغيل للنظام الدولي المعاصر. نقطة تحول أم سابقة جديدة؟ ويقدم التاريخ مقارنة لافتة: أزمة السويس عام 1956؛ هاجمت حينها بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل مصر، لكنه أُجبرت على الانسحاب بعد ضغط أمريكي حاسم؛ وهو تدخل أعاد تأكيد أولوية ضبط النفس الدبلوماسي على الطموح الإمبراطوري، ومثّل نهاية الإمبراطورية القديمة (بريطانيا وفرنسا)، وبروز دور الولايات المتحدة كقوة عظمى جديدة. وانعكست الأدوار اليوم؛ فقد أصبحت الولايات المتحدة نفسها طرفا رئيسيا في الصراع، وليست القوة المانعة له. ومع استمرار التصعيد، لم يعد السؤال المطروح هو: ما إذا كانت واشنطن ستفرض السلام، بل ما إذا كان بإمكان أي طرف آخر القيام بذلك؟ هل يمكن أن تتولى الصين هذا الدور؛ مستفيدة من نفوذها الاقتصادي ومصالحها الإستراتيجية للتوسط في خفض التصعيد؟ أم إن العالم دخل مرحلة لا يمتلك فيها أي طرف السلطة ولا الإرادة لوقف الصراعات المتسلسلة؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن فكرة النظام الدولي التعاوني قد لا تكون مجرد فكرة مهددة بالانهيار، بل ربما تكون قد انتهت بالفعل وحل محلها نظام يسعى إلى تحقيق الأمن من خلال الاستباقية، وتتحول فيه التحالفات إلى كتل متصلبة، وتأتي فيه الدبلوماسية بعد الحرب لا قبلها. هل هذه هي اللحظة التي تستأنف فيها التاريخ مسيرته، ليس كتقدم، بل كمأساة؟