بين إزالة الحماسة وآليات الاجتثاث: كيف تفكر إسرائيل بإعادة تشكيل مجتمع غزة؟
2026-03-05 - 13:17
المركز الفلسطيني للإعلام بينما ما تزال أنقاض المنازل المدمّرة في قطاع غزة شاهدة على واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في التاريخ الحديث، يتصاعد في مراكز التفكير الإسرائيلية والغربية نقاش موازٍ لا يقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها: كيف سيُعاد تشكيل غزة سياسيًا ومجتمعيًا بعد الإبادة؟ فبينما ينشغل الغزيون بتداعيات الكارثة الإنسانية والبحث عن سبل البقاء، ثمة نقاش استراتيجي أوسع يتعلق بكيفية إعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي، وإعادة صياغة البنية الفكرية التي تشكّل داخلها مفهوم المقاومة. ضمن هذا السياق، برزت دراسة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، تحاول رسم تصور متكامل لما تسميه “اليوم التالي” في غزة، من خلال مقاربة تجمع بين أدوات الأمن وإعادة الإعمار والهندسة الاجتماعية. تذهب الدراسة التي أعدها الباحثان عوفير جوترمان وتارا فيلدمان، إلى ما أبعد من بحث ترتيبات الحكم أو إعادة بناء المؤسسات، بطرح تصور لإعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي في القطاع، عبر ما تسميه “إزالة الحماسة”، في إشارة إلى تفكيك البنية الفكرية التي جعلت من المقاومة جزءًا متجذرًا في النسيج الاجتماعي الغزي. وتقدم الدراسة تصورًا يتجاوز المقاربة العسكرية، ليطرح برنامجًا متعدد الأبعاد يشمل الأمن والسياسة وإعادة البناء الاقتصادي، وإعادة تشكيل الخطاب الديني والثقافي والتعليمي والإعلامي، في محاولة لإحداث تحول عميق في المجتمع الغزي. غير أن هذه الرؤية، التي تستند إلى نماذج غربية وعربية لما تسميه “مكافحة التطرف”، تثير بدورها أسئلة كبيرة حول حدود الرهان الإسرائيلي على تغيير البنية الاجتماعية والسياسية للقطاع في مرحلة ما بعد الحرب. وتكشف هذه المقاربة، في جوهرها، عن رؤية أوسع لدى دوائر صنع القرار الإسرائيلية وحلفائها، حيث ترى أن الحرب الدائرة ليست مجرد مواجهة عسكرية مع حركة حماس، بل صراع طويل الأمد مع البيئة التي نشأت فيها المقاومة داخل قطاع غزة، والتي تشكّلت تاريخيًا تحت تأثير الاحتلال والحصار والتهجير المستمر منذ عقود. مجتمع تشكل تحت الصدمة ترى الدراسة أن قطاع غزة يمثل اليوم واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في العالم من حيث التداخل بين التطرف السياسي والديني، وهي حالة تشكلت عبر عقود طويلة من الصراع والاحتلال والتهجير. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تبلورت في القطاع بنية اجتماعية وسياسية خاصة نتيجة عدة عوامل متراكمة، منها اللجوء الجماعي للفلسطينيين بعد نكبة 1948، وسيطرة إسرائيل على القطاع بعد عام 1967، ثم التحولات التي أعقبت سيطرة حركة حماس على الحكم عام 2007. وبحسب الدراسة، فقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تشكل ما تصفه بـ“بيئة قومية دينية متشددة”، حيث بات خطاب المقاومة جزءًا من الوعي العام ومكونًا أساسيًا من الهوية الاجتماعية والسياسية لسكان غزة. وتشير الدراسة إلى أن حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة على القطاع تسببت في دمار شبه كامل للبنية التحتية المدنية، وسقوط عشرات آلاف الضحايا، إضافة إلى تشريد مئات الآلاف من السكان. لكن هذا الدمار – وفق تحليل الباحثين – يطرح سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز مسألة إعادة الإعمار: كيف يمكن بناء نظام سياسي ومدني جديد في غزة يفصل المجتمع عن أيديولوجية حماس؟ وتكمن أهمية الدراسة في أنها تحاول الجمع بين خبرات مختلفة في مكافحة التطرف، إذ تربط بين النماذج الغربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة بناء الدول المهزومة، وبين التجارب العربية الحديثة في مواجهة الحركات الإسلامية المسلحة. ومن خلال هذا الدمج، تقدم الدراسة إطارًا مفاهيميًا لصناع القرار يتضمن مجموعة من الآليات الأمنية والسياسية والاجتماعية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة. لماذا أصبحت غزة بركان مقاومة؟ تؤكد الدراسة أن فهم طبيعة المجتمع الغزي لا يمكن أن يتم بمعزل عن التجربة التاريخية الطويلة من الصدمات والنزوح والعزلة السياسية والاقتصادية. فغالبية سكان القطاع، الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة، هم من اللاجئين أو أبناء اللاجئين الذين نشأوا في بيئة مكتظة ومحدودة الموارد، ويعيشون تحت قيود صارمة على الحركة والعمل منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع عام 2007. وترى الدراسة أن التطرف – وفق توصيفها – في غزة ليس ظاهرة منفصلة عن سياقها السياسي، بل هو نتاج مباشر للصراع الإسرائيلي الفلسطيني الممتد لعقود. فقد ساهم الاحتلال العسكري المتواصل، والتدهور الاقتصادي، وغياب الأفق السياسي، في خلق بيئة اجتماعية يغلب عليها الشعور بالظلم والحرمان. وفي هذا السياق، نجحت حركة حماس – بحسب الدراسة – في ترسيخ أيديولوجيتها عبر عملية طويلة من الهندسة الاجتماعية، حيث استثمرت في المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لتعزيز خطاب المقاومة والمواجهة مع الاحتلال. وتشير الدراسة إلى أن هذه العملية جعلت فكرة المقاومة المسلحة جزءًا من الحياة اليومية في غزة، بحيث لم تعد مقتصرة على التنظيمات العسكرية أو النخب السياسية، بل أصبحت حاضرة في المدارس والمساجد والفضاء الإعلامي، وحتى في العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. إزالة الحماسة عن غزة بدلًا من استخدام مصطلح “نزع التطرف”، تفضل الدراسة استخدام تعبير “إزالة الحماسة”، في محاولة للإشارة إلى خصوصية الحالة الغزية. فالمشكلة – من وجهة نظر الباحثين – لا تقتصر على وجود تنظيم مسلح مثل حماس، بل تمتد إلى منظومة فكرية واجتماعية واسعة تشكلت عبر سنوات طويلة من الصراع. ويعرّف الباحثان عملية “مكافحة التطرف” في هذا السياق بأنها عملية يتحول خلالها الأفراد والمجتمعات بعيدًا عن الأيديولوجيات التي تبرر العنف، نحو تبني وسائل سياسية سلمية لتحقيق الأهداف الوطنية. لكن الدراسة تشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم إنكار التطلعات الوطنية الفلسطينية، لأن تجاهلها – وفق التحليل – سيجعل أي مشروع لمكافحة التطرف فاقدًا للمصداقية والشرعية. لذلك ترى أن نجاح هذه العملية يتطلب السماح بوجود مساحة للنضال السياسي السلمي، بحيث يشعر الفلسطينيون بوجود بدائل حقيقية عن المقاومة المسلحة. تستند الدراسة إلى نظرية شائعة في مجال “مكافحة التطرف” تقوم على التمييز بين نوعين من العوامل التي تؤثر في سلوك الأفراد والمجتمعات: عوامل الدفع وعوامل الجذب. عوامل الدفع في مكافحة حماس، تشير إلى التجارب السلبية التي تدفع الأفراد إلى الابتعاد عن التنظيمات المتطرفة، مثل الفساد أو القمع أو الإخفاقات العسكرية أو التناقضات الأيديولوجية. وفي حالة غزة، ترى الدراسة أن حجم الدمار الذي خلفته الحرب قد يؤدي إلى تقويض صورة حماس كحركة قادرة على تحقيق إنجازات سياسية أو عسكرية. أما عوامل الجذب، فتتمثل في تقديم بدائل سياسية واجتماعية واقتصادية يمكن أن تقدم للناس أفقًا جديدًا، مثل التعليم وإعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي والاندماج السياسي والفرص الاقتصادية. وتحذر الدراسة من الاعتماد على عوامل الدفع وحدها، لأن ذلك قد يؤدي إلى حالة من الإحباط أو اللامبالاة، بينما لا يمكن لعوامل الجذب أن تكون مقنعة ما لم تترافق مع تراجع نفوذ الحركة في المجال السياسي والعسكري. “مكافحة التطرف”.. النموذج الغربي تعتبر الدراسة أن قطاع غزة يمثل حالة معقدة لما تسميه “التطرف المتجذر”، والذي تراكم عبر عقود طويلة من الظروف الهيكلية الصعبة. ولذلك فإن أي محاولة لتغيير هذه الحالة لا يمكن أن تقتصر على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، تعترف الدراسة بأن حجم الكارثة الإنسانية في غزة يجعل هذه المهمة بالغة الصعوبة. فالمجتمع الغزي يعيش حالة من الصدمة الجماعية نتيجة الدمار الهائل والخسائر البشرية الكبيرة، وهو ما قد يجعل عملية إعادة البناء الاجتماعي أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، يرى الباحثان أن هذه الكارثة قد تخلق أيضًا فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري، إذ قد تدفع بعض فئات المجتمع إلى إعادة التفكير في جدوى استمرار الصراع المسلح إذا تم تقديم بديل سياسي واقتصادي مقنع. وفي هذا الإطار تستعرض الدراسة نماذج مختلفة لـ”مكافحة التطرف”، من بينها النموذج الغربي الذي استند إلى تجارب إعادة بناء الدول بعد الحروب الكبرى، مثل إعادة إعمار ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. ويقوم هذا النموذج على عدة عناصر أساسية، منها هزيمة الخصم عسكريًا، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية والسياسية، وإصلاح التعليم والإعلام، وتعزيز سيادة القانون. لكن الدراسة تشير إلى أن تطبيق هذا النموذج في العالم العربي واجه صعوبات كبيرة، كما حدث في أفغانستان والعراق، حيث فشلت المشاريع الغربية في تحقيق استقرار طويل الأمد. وترى الدراسة أن تطبيق هذا النموذج في غزة يتطلب تكييفه مع الواقع الثقافي والديني المحلي، مع إعطاء دور أكبر للقيادات الفلسطينية والعربية في إدارة العملية. ثلاثة نماذج عربية تستعرض الدراسة أيضًا تجارب عدة دول عربية في مواجهة الحركات الإسلامية المسلحة، وتخلص إلى وجود ثلاثة نماذج رئيسية. النموذج الأول هو نموذج الاحتواء الأمني الذي تبنته دول مثل مصر وتونس، ويعتمد بشكل أساسي على الإجراءات الأمنية والرقابة. أما النموذج الثاني فهو نموذج التحول الاجتماعي الذي ظهر في بعض دول الخليج، ويعتمد على إصلاحات اقتصادية وثقافية واسعة تهدف إلى تغيير بنية المجتمع. أما النموذج الثالث، الذي تطبقه بعض الملكيات العربية مثل المغرب والأردن، فيعتمد على الشرعية الدينية للسلطة السياسية، وهو نموذج ترى الدراسة أنه أقل ملاءمة للحالة الفلسطينية. وفي كلا النموذجين الغربي والعربي، تتشابه العديد من مسارات العمل، وإن اختلفت طرق تنفيذها: استخدام تدابير أمنية وإنفاذية قسرية ومراقبة؛ وترسيخ خطاب وطني يُعلي من شأن هوية الدولة وقانونها فوق جميع الهويات والأطر المعيارية الأخرى؛ والترويج لشكل من أشكال “الشرعية الرسمية” يُصاغ تحت مسمى “الإسلام المعتدل” لإعادة تشكيل الوعي العام في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، بهدف تقويض “الخطاب المتطرف” وترسيخ الخطاب الذي يفضله النظام. وترجح الدراسة أن النموذج الخليجي، خاصة النموذج الإماراتي، قد يكون الأكثر ملاءمة لتطبيقه في غزة، لأنه يعتمد على مقاربة شاملة تجمع بين التنمية الاقتصادية والإصلاح الاجتماعي والخطاب الديني المعتدل. لكن الدراسة تعترف بأن هذا النموذج يتطلب قدرًا كبيرًا من الموارد والقدرات المؤسسية، وهو ما قد يجعل تطبيقه صعبًا في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها القطاع، لذلك تقترح الدراسة إمكانية الجمع بين النموذجين الخليجي والمصري، بحيث يتم البدء بإجراءات أمنية قوية، ثم الانتقال تدريجيًا إلى برامج إصلاح اجتماعي واقتصادي أوسع. آليات اجتثاث حماس تطرح الدراسة مجموعة واسعة من الآليات التي ترى أنها ضرورية لاجتثاث أو إضعاف حماس في مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة تشكيل البيئة السياسية في غزة. يقوم هذا التصور على مزيج من الإجراءات الأمنية والسياسية والاجتماعية والثقافية بهدف تقويض نفوذ حركة حماس داخل المجتمع الغزي، وإعادة تشكيل البيئة السياسية والفكرية التي نشأت فيها الحركة. وترى الدراسة أن نزع التطرف لا ينبغي أن يُفهم كمرحلة لاحقة لهزيمة الحركة عسكريًا، بل كعملية متزامنة معها، إذ إن إضعاف حماس استراتيجيًا يتطلب توفير بديل سياسي وأيديولوجي قادر على منافسة خطاب المقاومة المسلحة في الوعي العام الفلسطيني. وفي غياب هذا البديل، سيظل نموذج المقاومة المسلحة حاضرًا بوصفه الخيار الأكثر واقعية بالنسبة لقطاعات واسعة من المجتمع. وتؤكد الدراسة أن الضغط الأمني المستمر على حماس وبقية الفصائل المسلحة يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي عملية تغيير سياسي أو اجتماعي في غزة. وتفترض أن إسرائيل ستحتفظ بمسؤولية أمنية شاملة في القطاع لضمان منع إعادة بناء القدرات العسكرية للحركة، أو عودة التنظيمات المسلحة إلى السيطرة على المشهد الأمني. إلى جانب ذلك، تشدد الدراسة على أن إعادة الإعمار المدني السريع تمثل عنصرًا محوريًا في استقرار المجتمع. فإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وإعادة تشغيل الخدمات العامة، إلى جانب برامج الدعم النفسي والاجتماعي، يمكن أن تسهم في تخفيف آثار الصدمة الجماعية التي خلفتها الحرب، والحد من بيئة الإحباط والغضب التي قد تغذي التطرف. وترى الدراسة أن تأخير إعادة الإعمار أو ربطها بشروط سياسية معقدة قد يقوض فرص نجاح هذه الجهود. كما تبرز الدراسة أهمية إيجاد أفق سياسي موثوق للفلسطينيين، يتيح مسارًا تدريجيًا نحو تسوية سياسية أو شكل من أشكال الاستقلال، ولو كان محدودًا في مراحله الأولى. فوجود أفق سياسي قابل للتصديق يُعد، بحسب الدراسة، شرطًا أساسيًا لإقناع المجتمع بجدوى التخلي عن العنف السياسي، إذ إن غياب هذا الأفق سيبقي المقاومة المسلحة خيارًا مشروعًا في نظر كثيرين. وفي هذا السياق، تدعو الدراسة إلى إشراك الدول العربية بعمق في عملية إعادة الإعمار وإعادة تشكيل المؤسسات، معتبرة أن النماذج العربية في مكافحة التطرف قد تكون أكثر قابلية للتطبيق في البيئة الثقافية والاجتماعية لغزة مقارنة بالنماذج الغربية. وتشمل هذه المشاركة دعم الإصلاح المؤسسي، وإعادة تأهيل الأجهزة التعليمية والدينية، وتعزيز خطاب ديني يوصف بالمعتدل. كما تقترح الدراسة حزمة من الإجراءات طويلة المدى، مثل إصلاح المناهج التعليمية والإعلام والثقافة العامة، وإنشاء برامج إعادة تأهيل وإدماج اجتماعي للأفراد المرتبطين بالحركات المسلحة، إضافة إلى بناء مناعة مؤسسية داخل مؤسسات الحكم لمنع عودة نفوذ حماس. وتشمل هذه المناعة وضع أطر قانونية للرقابة، وتعزيز الشفافية في التعيينات، ومراقبة الخطاب المتطرف في الفضاءين العام والرقمي. وفي المجمل، ترى الدراسة أن نجاح هذه العملية يتطلب تنسيقًا واسعًا بين الفاعلين الأمنيين والسياسيين والمجتمعيين، وتحقيق نتائج ملموسة وسريعة في حياة السكان، لأن الفراغ الطويل أو بطء الإصلاح قد يمنح القوى المسلحة فرصة لإعادة ترسيخ نفوذها داخل المجتمع.