ثلاث قضايا فلسطينية مصيرية.. هكذا يقرأ زحالقة مشروع الضغط الإسرائيلي الشامل
2026-02-24 - 14:16
المركز الفلسطيني للإعلام لا يقدّم جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي الداخل، تشخيصه لواقع فلسطينيي الداخل بوصفه قراءة ظرفية لأزمة عابرة، بل كاتهام سياسي مباشر لمنظومة حكم إسرائيلية تدير صراعًا متعدد الواجهات ضد كل ما هو فلسطيني. ففي نظره، ما يجري داخل الأراضي المحتلة عام 48 ليس تراكُمَ إخفاقات، بل سياسة متكاملة الأركان، تتقاطع فيها الجريمة المنظمة مع الإهمال الأمني، والقدس مع الإقصاء الاقتصادي، والنقب مع مشاريع الاقتلاع والتهجير. ثلاث قضايا كبرى لا يمكن فصل إحداها عن الأخرى، لأنها تشكّل، مجتمعة، خريطة ضغط وجودي على الفلسطينيين في أراضي 48، في لحظة إقليمية تتسارع فيها مشاريع الحسم الإسرائيلي وتُغلَق فيها نوافذ الحلول السياسية. يرى زحالقة في حوار مطوّل مع “العربي الجديد”، أن سلطات الاحتلال تدير هذه القضايا على أساس “سياسات تمييزية” تهدّد الاستقرار الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين، مؤكد أن هذه الملفات مترابطة، وتشكل معًا مشهدًا سياسيًا وأمنيًا ضاغطًا على الفلسطينيين في الداخل. الجريمة والعنف: القضية المركزية أكد زحالقة الذي انتُخب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي رئيسًا للجنة المتابعة، أن ظاهرة الجريمة والعنف أصبحت “قضية القضايا”، لأنها تمس الأمن الشخصي للمواطن الفلسطيني، وتتفاقم في مختلف البلدات العربية دون وجود رادع فعّال من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وقال إن الادعاء بأن العنف في المجتمع العربي نابع من “الثقافة” هو اختزال عنصري لا يعكس الواقع، مشيرًا إلى أن معدّلات تفكيك شبكات الجريمة في المجتمع اليهودي تتجاوز 80%، في حين لا تتجاوز لدى الفلسطينيين 15%، وهو ما يشجّع على استمرار انتشار السلاح غير المنظّم والعنف المسلّح دون مساءلة حقيقية. وحمّل زحالقة سلطات الاحتلال المسؤولية المباشرة عن هذا الواقع، معتبرًا أن شرطة الاحتلال تغذّي العنف عبر سياسة تقاعس متعمّد تؤدي إلى تفاقم القتل والإفلات من العقاب. كما أشار إلى وجود ما وصفه بـ“اتفاق غير مكتوب” بين بعض منظمات الإجرام وشرطة الاحتلال، يقضي بعدم دخول هذه المنظمات إلى البلدات اليهودية، مقابل ترك المجرمين العرب دون ملاحقة جدّية. الحراك الشعبي وأدوات الضغط وفي ما يتعلّق بالتحركات الشعبية، أشار زحالقة إلى الزخم الجماهيري الذي برز في التظاهرات ضد الجريمة والعنف، ولا سيما مسيرة الرايات السوداء في سخنين وتل أبيب، مؤكدًا أن هذا الحراك سيتواصل في حيفا وأم الفحم والناصرة ومدن أخرى. وفي هذا السياق، أعلنت لجنة المتابعة أنها تعمل على التحضير لإضراب عام وشامل لمدة ثلاثة أيام، يشمل مختلف القطاعات الاجتماعية والمهنية، كوسيلة ضغط على حكومة الاحتلال لتغيير سياساتها المتعلقة بالجريمة وسائر القضايا التي تواجه المجتمع العربي. وأوضح زحالقة أن الهدف من الإضراب إحداث تأثير اقتصادي ملموس قد يدفع مؤسسات وفاعلين داخل إسرائيل إلى ممارسة ضغط فعلي على الحكومة، مشيرًا إلى أن الفلسطينيين في الداخل يشكلون قوة عاملة مركزية، إذ يشكّل العرب نحو 50% من الطواقم الطبية في المستشفيات الكبرى، ونحو 70% من الصيادلة، ما يمنح الإضراب وزنه وتأثيره. القدس.. أولوية سياسية ومجتمعية في المقابل، شدّد زحالقة على أن هناك قضايا أخرى غاية في الأهمية يجب تعزيز دور فلسطينيي الداخل فيها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية عمومًا، مع خصوصية ملف القدس ومخططات التهجير. وقال إن الدور الأهم لفلسطينيي الداخل ولجنة المتابعة يتمثل في القدس، “لأننا نستطيع الوصول إليها”، مؤكدًا ضرورة دعم صمودها وتعزيز الحركة التجارية في البلدة القديمة، التي تعاني من أزمة خانقة. وأشار إلى أن من أصل 1450 محلًا تجاريًا في البلدة القديمة، أُغلق 420 محلًا، معتبرًا أن هذا الدعم الاقتصادي هو أحد أشكال الفعل العملي المتاح أمام فلسطينيي الداخل اليوم. غزة.. المعركة السياسية والعجز القسري وفي ما يخص غزة، قال زحالقة إن فلسطينيي الداخل يخوضون “معركة سياسية مفتوحة” ضد حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، لكنه أقرّ بأن الشعور بالعجز يلازم المجتمع، بل ويلازمه شخصيًا، في ظل الإبادة الجماعية الجارية في القطاع. وأضاف أن فلسطينيي الداخل يعيشون وضعًا سياسيًا خاصًا داخل أراضي 48، حيث كانت هناك خطط إسرائيلية لعمليات قمع واسعة في حال خروج تظاهرات، خصوصًا تلك التي قد تؤدي إلى إغلاق الشوارع، مشيرًا إلى إعلان حالة طوارئ تعني عمليًا أن أي شخص ينزل إلى الشارع قد يكون عرضة لإطلاق النار. وربط زحالقة هذا الواقع بما جرى خلال أحداث “هبة الكرامة” في مايو/أيار 2021، إبان معركة “سيف القدس”، حين دفع مئات الفلسطينيين أثمانًا باهظة بين اعتقال وسجن، أو فصل من العمل، أو حرمان من التعليم الجامعي. وفي تحليله الأشمل، رأى زحالقة أن تفاقم الجريمة في المجتمع العربي يعود إلى سببين رئيسيين: التركيبة شديدة التطرف للحكومة الحالية، التي اتخذت قرارًا عمليًا بعدم محاربة الجريمة، وعودة ملف التهجير إلى صدارة الاستراتيجيات السياسية والأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، سواء في الداخل أو في مختلف الساحات الفلسطينية. وقال إن فرض إسرائيل سيطرتها المباشرة على غزة جعل عدد الفلسطينيين واليهود متقاربًا في مجموع المناطق، وهو واقع “تعجز الصهيونية عن تحمّله”، مضيفًا أن إسرائيل، برفضها أي حل سياسي ورفضها حل الدولتين، تعتمد نظام أبارتهايد غير مستقر، ما يجعل التهجير خيارها الاستراتيجي البديل. وأشار زحالقة إلى ما يشبه “الرضا الإسرائيلي” عن تفشي الجريمة والعنف، باعتبارهما عاملين قد يدفعان الفلسطينيين إلى الهجرة، مؤكدًا أن الأفراد قد يضطرون إلى الهروب من القتل، ولا يمكن لوم من يسعى لحماية نفسه وعائلته، لكن “على المستوى الجماعي، سنُفشل هذا المخطط، ولن نرحل”. معركة الأرض في النقب وفي ما يتعلّق بملف النقب، أكد زحالقة أن المجتمع الفلسطيني في الداخل يخوض “معركة كبرى” بهدف الدفاع عن الأرض والبيوت والقرى في مواجهة ما وصفه بـ”محاولات الاقتلاع والمصادرة” التي تستهدف هذه المنطقة منذ سنوات طويلة، مشدِّدًا على أن الفلسطينيين في الداخل لن يتخلّوا عن أرضهم مهما كان الضغط أو مشاريع التهجير والمصادرة المتواصلة. وأضاف زحالقة أن هذا التضامن الجماهيري مع النقب يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الصراع، وأن محاولات إفراغ الأرض من أهلها عبر قوانين وممارسات وسياسات إسرائيلية لا يمكن أن تُمثّل حلولًا، بل تزيد من عزم الفلسطينيين على التمسّك بحقوقهم الوجودية في كل شبر من أرضهم.