عملة رقمية لغزة… تحديث مالي أم إعادة هندسة للسيطرة؟
2026-02-24 - 16:17
المركز الفلسطيني للإعلام في خضم النقاشات الدائرة حول ترتيبات “اليوم التالي” للحرب على قطاع غزة، لا يقتصر الجدل على شكل الإدارة أو إعادة الإعمار، بل يمتد إلى إعادة تشكيل البنية المالية نفسها. من بين الطروحات التي برزت مؤخراً الدفع نحو نموذج “اقتصاد رقمي” أو إطلاق عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأميركي داخل القطاع. وبينما يُقدَّم المقترح باعتباره خطوة تنظيمية لمكافحة الفوضى النقدية وتعزيز الشفافية ومعالجة أزمة السيولة، يرى خبراء أن المسألة أعمق من بعدها التقني، وتمس جوهر السيادة على المجال المالي في غزة. المحافظ الرقمية .. جيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة في غزة من أزمة السيولة إلى مقترحات إلغاء النقد وخلال الحرب، عانى القطاع من أزمة سيولة خانقة نتيجة القيود المشددة على إدخال الأموال النقدية، ما أربك الأسواق وأضعف القدرة الشرائية وخلق تشوهات في الأسعار بين النقد والتحويلات. في هذا السياق، تزامن شحّ النقد مع مقترحات إسرائيلية تتعلق بتقليص أو إلغاء التعامل بالكاش داخل غزة، باعتباره مساراً يصعب ضبطه من الناحية الأمنية. وكان وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إسرائيل كاتس قد طرح في سياقات مختلفة أفكاراً لإعادة ضبط النظام المالي في غزة ضمن تصورات ما بعد الحرب، شملت تشديد الرقابة على التدفقات النقدية ومنع وصول الأموال إلى جهات تعتبرها إسرائيل معادية. الاقتصاد في غزة.. من الركود إلى الانهيار الشامل ويرى مراقبون أن هذه الطروحات شكّلت أرضية فكرية وسياسية لفكرة نقل النشاط المالي من التداول الورقي إلى فضاء رقمي يمكن التحكم به مركزياً، بحيث تصبح كل حركة مالية قابلة للرصد والإدارة. عملة مستقرة مرتبطة بالدولار في تطور لافت، أفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن “مجلس السلام” التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس إطلاق عملة رقمية مستقرة مرتبطة بالدولار الأميركي في غزة. ويقود المقترح رجل الأعمال الإسرائيلي والضابط السابق في وحدة 8200 ليران تانكمان، بالتعاون مع لجنة إدارة غزة ومكتب “الممثل السامي” برئاسة نيكولاي ملادينوف، حيث يتولى هؤلاء تحديد الإطار التنظيمي وآليات الوصول إلى ما يُسمى “العملة المستقرة”. وبحسب مصدر مطلع نقلت عنه الصحيفة، فإن المشروع “لن يكون عملة غزة أو عملة فلسطينية جديدة، بل سيكون وسيلة للسماح لسكان غزة بإجراء المعاملات رقمياً”، ما يعني أن الحديث يدور عن أداة دفع رقمية مرتبطة بالدولار الأميركي وليست تعبيراً عن سيادة نقدية وطنية. ولا يزال المشروع في مراحله الأولية، مع توقعات بربطه مباشرة بالدولار، في حين لم تتضح بعد تفاصيل الاحتياطيات أو الجهة التي ستديرها فعلياً. ما هي العملة المستقرة؟ العملة المستقرة هي نوع من العملات الرقمية صُمّم للحفاظ على قيمة ثابتة، غالباً عبر ربطه بأصل مستقر مثل الدولار الأميركي أو اليورو أو الذهب. ويتم تثبيت قيمتها عادة عبر احتياطي نقدي فعلي، بحيث تكون كل وحدة منها مدعومة بدولار حقيقي محفوظ في بنك، أو عبر ضمانات رقمية (عملات مشفّرة أخرى)، أو عبر خوارزميات تنظّم العرض والطلب للحفاظ على السعر، وهو النوع الأكثر عرضة للمخاطر. ومن الأمثلة الشائعة عالمياً USDT وUSDC، واللتان تُسعّران عادة بما يعادل دولاراً واحداً. وتُستخدم هذه العملات لتقليل التقلبات الحادة الموجودة في عملات مثل البيتكوين، ولتحويل الأموال بسرعة وبتكلفة أقل عبر الحدود، وكوسيلة دفع رقمية مستقرة نسبياً. لكن هذا النموذج لا يخلو من مخاطر؛ إذ قد تفقد العملة ارتباطها بالدولار فجأة إذا لم تكن الاحتياطيات حقيقية أو كافية، في ما يُعرف بحالة “فقدان الارتباط”. كما أن غياب الشفافية في بعض الحالات، وعدم وجود تدقيق واضح ومستمر للاحتياطيات، يثيران شكوكاً حول قدرة الجهة المُصدِرة على تغطية كل وحدة مُصدرة. وهناك أيضاً خطر “الركض على السحب”، فإذا حاول عدد كبير من المستخدمين استرداد أموالهم في وقت واحد، قد لا تتوافر سيولة كافية. يضاف إلى ذلك أن الاعتماد الكامل على البنية الرقمية يجعل أي انقطاع في الإنترنت أو عطل تقني سبباً مباشراً في تجميد التعاملات. ليست خطوة تقنية محايدة في هذا السياق، يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تدشين عملة رقمية في غزة “ليس خطوة تقنية محايدة، بل مشروع اقتصادي سياسي يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي”. ويوضح أن بعض التصورات المطروحة تقوم على إعادة تشكيل القطاع كحيّز منزوع السيادة النقدية، بحيث يُدار المجال المالي من خارج الإرادة الفلسطينية المباشرة. ويضيف أبو قمر أن العملة الرقمية، إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع والاحتياطيات، يمكن أن تتحول من أداة تسهيل إلى أداة ضبط جماعي. فحين تُنقل المعاملات إلى منصات رقمية مركزية، تصبح كل عملية مالية قابلة للرصد والتتبع وربما البرمجة، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف كيفية الوصول إلى المال نفسه. ويتابع أن الخطر لا يكمن فقط في القدرة على منع إدخال النقد الورقي، بل في قابلية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد. ويقول إن “التحكم الرقمي يعني أن الوصول إلى المال قد يصبح رهناً بإشارة تشغيلية يمكن تعليقها، سواء بدوافع أمنية أو إدارية”. وبحسب تقديره، فإن هذا السيناريو يفتح الباب أمام ربط الخدمات الأساسية أو المساعدات أو الرواتب بدرجات امتثال سياسي أو أمني، ما يحول الاقتصاد إلى شبكة شروط رقمية، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والنظام المالي على أسس غير تقليدية. ويشير أبو قمر كذلك إلى أن المقارنة مع تجارب دول تطور عملات رقمية سيادية ليست في محلها بالكامل، لأن تلك الدول تمتلك سيادة كاملة على بنيتها المصرفية والتقنية. أما في حالة غزة، حيث لا توجد عملة وطنية أصلاً، وتخضع الحركة المالية لقيود خارجية، فإن استنساخ نموذج العملة المستقرة المرتبطة بالدولار من دون توفر شروط السيادة يحوّل الأداة إلى وسيلة إدارة خارجية للاقتصاد، لا إلى أداة تمكين داخلي. لا ينكر أبو قمر أن الاقتصاد الرقمي يحمل مزايا حقيقية، من تحسين الشفافية إلى تسريع المعاملات وتقليل كلفة التحويلات، لكنه يشدد على أن نجاح أي تجربة يتطلب ضمانات قانونية تحمي الخصوصية وحرية التصرف بالمال، إضافة إلى سيطرة فلسطينية كاملة على البنية التحتية الرقمية ومفاتيح تشغيلها.