ThePalestineTime

الزنانة .. حين يتحوّل الصوت إلى حربٍ دائمة في سماء غزة

2026-03-02 - 10:37

المركز الفلسطيني للإعلام لم يعد صوت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية في سماء قطاع غزة مجرد خلفية صوتية عابرة، بل بات عنواناً يومياً لحياةٍ معلّقة بين القلق والترقب. يطلق الفلسطينيون عليها اسم “الزنانة”، اشتقاقاً من طنينها الحادّ الذي يخترق السكون، خصوصاً في ساعات الليل، حين تخفت أصوات الشوارع ويعلو هديرها فوق البيوت والخيام. وتحلّق هذه الطائرات المسيّرة على مدار الساعة تقريباً، في أوقات الحرب كما في فترات التهدئة، ضمن مهام المراقبة وجمع المعلومات. بينما أقرانه في الروضة.. يمشي هذا الطفل الفلسطيني وحيدا وسط الدمار وتحت صوت طائرات الاستطلاع (الزنانة) في مخيم جباليا، على بعد 50 مترا فقط من الخط الأصفر الخاضع لسيطرة الاحتلال#فيديو pic.twitter.com/9GaLMtlLH3 — قناة الجزيرة (@AJArabic) February 4, 2026 غير أن حضورها في الوعي الجمعي تجاوز البعد العسكري المباشر، ليغدو رمزاً دائماً للسيطرة والمراقبة، ومؤشراً نفسياً على احتمال وقوع قصف مفاجئ. فالصوت، وإن لم يتبعه انفجار، يكفي لإبقاء السكان في حالة استنفار دائم. الزنانة أداة قتل ومصدر إزعاج للغزيين (تقرير) بين التعايش القسري والإنهاك النفسي في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، تشير أم خالد مقداد (42 عاماً) إلى السماء قائلة: “نحاول أن نقنع أنفسنا بأنها مجرد طائرة، لكن الصوت يدخل كل زاوية في البيت، ويوقظ الأطفال من نومهم”. تضيف: “في الليل يصبح الطنين أقسى، لأن كل شيء صامت، فنشعر كأنها تحوم فوق رؤوسنا مباشرة. حتى بعد وقف إطلاق النار، لم نشعر أن الحرب انتهت، فالزنانات لم تغادر السماء”. صوت الزنانة عذاب نفسي لا يغادر سماء غزة.. pic.twitter.com/OJWvthJOg1 — جفرا فلسطين (@jafraPalestine) February 26, 2026 وترى أم خالد أن الأطفال باتوا يربطون بين صوت الطائرة والموت، “كلما اشتد الطنين يركضون إلى زاوية الخيمة ويختبئون، وكأن القصف سيقع في أي لحظة”. في مخيم النصيرات، يقول محمود الشافعي(31 عاماً): “اعتدنا الصوت، لكننا لم نعد نحتمله. أصبح جزءاً من يومياتنا، ومع ذلك يثير أعصابنا باستمرار. أعمل من المنزل، وأحياناً لا أستطيع التركيز بسبب الطنين المتواصل. أشعر وكأن هناك عيناً تراقبني طوال الوقت”. ويضيف: “حتى عندما يختفي الصوت فجأة، ينتابني خوف مضاعف، كأن شيئاً ما سيحدث”. الطنين يعلو على الدرس افتتحت المعلمة سمر أبو عودة (35 عاماً) مركزاً تعليمياً للأطفال بجهدها الشخصي، تقول إن أثر “الزنانة” لا يتوقف عند حدود البيوت، بل يتسلل إلى قاعات الدرس: “نضطر أحياناً إلى رفع أصواتنا أثناء الشرح بسبب الطنين. الأطفال يسألون: لماذا لا تتوقف؟”. وتشير إلى أن كثيراً من طلابها يرسمون الطائرات المسيّرة في دفاترهم، حتى في مواضيع لا علاقة لها بالحرب. “أحد الأطفال رسم بيتاً وفوقه طائرة كبيرة، وعندما سألته عن السبب قال: لأنها دائماً فوق بيتنا”. تلك الرسوم، بحسب أبو عودة، تعكس حضور الطائرة في مخيلة الأطفال، بوصفها جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، لا حدثاً طارئاً. أثرٌ يتجاوز الضجيج تؤكد تقارير حقوقية ومتابعات ميدانية أن الصوت المستمر للطائرات المسيّرة يخلق حالة دائمة من القلق، ويستحضر ذكريات الهجمات السابقة حتى في غياب أي تصعيد عسكري، فالطنين المتكرر وغير المتوقع يحفّز الجهاز العصبي للبقاء في حالة يقظة قصوى، ما يؤدي إلى إنهاك نفسي طويل الأمد. المختص في علم النفس المجتمعي عبد الله الخطيب يوضح أن تأثير الصوت لا يرتبط فقط بما قد يتبعه من قصف، بل بحد ذاته كعامل ضغط نفسي. يقول لمراسلنا: “الصوت المتكرر وغير المتوقع يُبقي الجهاز العصبي في حالة استنفار دائمة، الإنسان يحتاج إلى فترات من السكون ليستعيد توازنه النفسي، لكن هذا السكون شبه غائب في غزة”. ويضيف الخطيب: “عندما يرتبط الصوت بتجارب سابقة من القصف والخسارة، يتحول إلى محفّز للصدمة. مجرد سماعه قد يعيد مشاهد مؤلمة إلى الذاكرة، خصوصاً لدى الأطفال والناجين من الهجمات”. ويحذّر من آثار بعيدة المدى تشمل اضطرابات النوم المزمنة، والقلق العام، وفرط اليقظة، والمشكلات السلوكية لدى الأطفال، مؤكداً أن “صوت الطائرات المسيّرة ليس مجرد ضجيج، بل رسالة مستمرة تُبقي المجتمع في حالة توتر جماعي”. وبالنسبة إلى سكان غزة، لم تعد الحرب تُقاس فقط بدويّ الانفجارات، بل أيضاً بالصوت الذي يسبقها أو يحل مكانها. فالزنانة، وإن لم تُطلق صاروخاً، تظل حاضرة كإشارة دائمة إلى أن الخطر لم يبتعد.

Share this post: