ThePalestineTime

اقتصاد الحرب الاستنزافي: كيف ابتلعت آليات الاستغلال المنظم ثلثي دخل الأسر؟

2026-02-16 - 13:30

المركز الفلسطيني للإعلام منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، تمدّد الدمار إلى قلب الحياة الاقتصادية اليومية للمواطنين، فإلى جانب القتل والتجويع والحصار، نشأ نمط اقتصادي قسري يمكن توصيفه بـ”اقتصاد الحرب الاستنزافي”، بعدما تحولت السوق إلى أداة لإعادة توزيع الدخل بالقوة، من غالبية المجتمع نحو فئات محدودة احتكرت السلع والسيولة وقنوات الإدخال. ورقة السياسات الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية تحت عنوان: “آلية الاحتكار والاستغلال في اقتصاد الحرب، وأثرها في تآكل القوة الشرائية واستنزاف أموال المواطنين في قطاع غزة (2023- 2025)”، للباحث سيف الدين عودة، تكشف عن بنية متكاملة من الاستغلال المنهجي، تُرجمت رقمياً في تبخر 66.7% من القوة الشرائية للأسر خلال 25 شهراً فقط. قبل الحرب، كان الاقتصاد الغزي اقتصاداً نقدياً بامتياز، اعتمدت الأغلبية الساحقة من السكان على السحب النقدي المباشر من البنوك، في ظل ضعف البنية التحتية للدفع الإلكتروني ومحدودية الثقة بها. غير أن هذه القاعدة انهارت مع الأيام الأولى للحرب، حين منع الاحتلال إدخال أو إخراج النقد، وتوقفت عمليات السحب والإيداع بقرار من سلطة النقد لأسباب أمنية ولوجستية. يقول الباحث إن القرار، رغم منطقيته الظرفية، أدّى إلى شلل السيولة النقدية حيث وجد مئات آلاف المواطنين أنفسهم يمتلكون أموالاً مقيدة في الحسابات البنكية دون قدرة فعلية على تداولها، لتبدأ الحلقة الأولى من الاستنزاف. كيف تحوّل الدفع الإلكتروني لأداة ابتزاز في محاولة للتخفيف من الأزمة، أُطلقت سلطة النقد نظام التحويلات الفورية المجانية (IBURAQ) في مايو/ أيار 2024، ما أسهم في تسهيل المعاملات الإلكترونية. ومع الوقت، انتشر استخدام المحافظ الإلكترونية التي أسهمت في إنشاء دورة مصرفية مغلقة حدت من تسرُب الأرصدة النقدية لدى الأنظمة البنكية. غير أن هذا النظام لم يُفضي إلى سوق أكثر عدالة، مؤسساً لظاهرة التسعير المزدوج، فقد أصبح للسلعة سعران: سعر أعلى عند الدفع الإلكتروني. سعر أقل عند الدفع نقداً، رغم ندرة النقد. هذا الفارق شكّل أحد أعمدة الاستغلال، بتسلل واحدة من أخطر الظواهر الاقتصادية إلى الحياة اليومية للفلسطينيين، تحت مسمى “التكييش” الذي يمثل في جوهره آلية استنزاف ممنهجة للدخل الفردي، وخصمًا قسريًا من القدرة الشرائية قبل الوصول إلى السوق. توضح الورقة أن “التكييش” تحول من ممارسة استثنائية مرتبطة بظروف طارئة إلى نظام موازٍ داخل الاقتصاد النقدي “مقبول مجتمعياً” بفعل أزمة السيولة وغياب الفئات النقدية الصغيرة، وتقييد إدخال النقد إلى الأراضي الفلسطينية. فالمواطن الذي يدفع 100 شيكل عبر تطبيق إلكتروني أو تحويل بنكي، لا يحصل في المقابل إلا على 50 إلى 80 شيكلًا نقدًا، أي أنه يخسر ما بين 20% و50% من قيمة ماله لحظة تحويله، وقبل شراء أي سلعة أو خدمة. وتشير الورقة إلى أن هذه الخسارة لا تُحتسب كضريبة رسمية، ولا تظهر في أي سجل مالي، لكنها عمليًا تمثل ضريبة ظلّ يتحملها الأفراد وحدهم، فيما يستفيد منها الوسطاء وتجار النقد وشبكات غير رسمية نشأت على هامش الأزمة. ولا يتوقف الاستنزاف عند هذا الحد، فورقة السياسات توثق سلسلة ممارسات عمّقت تشوه السوق النقدي، من بينها: بيع “الفكة” بأقل من قيمتها الاسمية. إخراج فئات نقدية كاملة من التداول مثل فئة 10 شيكل المعدنية. رفض الأوراق المهترئة أو قبولها بقيمة أقل. التلاعب بأسعار صرف العملات، خصوصاً الدينار الأردني. هذه الممارسات أدت فعليًا، تبعاً لورقة السياسات، إلى تحييد جزء كبير من الكتلة النقدية المتداولة، أي تحويلها من أداة تبادل إلى عبء فاقد للقيمة، ما انعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك، وعمّق الفجوة بين الدخل الاسمي والدخل الحقيقي، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل العمال، وذوي الدخل المحدود، وأصحاب المساعدات. وتخلص إلى أن استمرار الظاهرة دون تدخل تنظيمي ورقابي سيؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة بالعملة، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، وتحميل المجتمع كلفة إضافية لحصار مالي غير معلن، يُدفع ثمنه يوميًا من جيوب الفقراء. احتكار السلع وصناعة الندرة في موازاة أزمة السيولة، برز احتكار السلع بوصفه ركيزة ثانية لاقتصاد الحرب الاستنزافي. فالحصار ومنع إدخال البضائع لفترات طويلة شكّلا أرضية خصبة لتخزين السلع وإخفائها عمداً، وطرحها في السوق بكميات محدودة وأسعار متصاعدة. ويوضح الباحث عودة أن احتكار السلع لم يكن مجرّد نتيجة عرضية لانهيار سلاسل التوريد أو إغلاق المعابر، بل آلية اقتصادية واعية جرى توظيفها لإبقاء السوق في حالة شح دائم، وتبرير أي زيادة سعرية كاستراتيجية مقصودة لإنتاج الندرة والتحكم بها. وتشير ورقة السياسات إلى أن هذا السلوك طال المواد الأساسية – قبل الكمالية – المرتبطة مباشرة بالبقاء، مثل: الطحين، الأرز، السكر، الزيوت، وحليب الأطفال. ومع غياب الرقابة الفعلية وانهيار أدوات الضبط المؤسسي، أصبح الاحتكار وسيلة لتحقيق أرباح استثنائية في زمن المجاعة، حيث تُخفى السلع ثم تُطرح لاحقًا بالأسواق بكميات محدودة، وبأسعار تتضاعف مرات عدة دون أي مبرر كلفي حقيقي. وتلفت إلى أن أخطر ما في هذا النمط هو تحويل السوق من آلية لتلبية الحاجة إلى أداة لإدامة الشح، فالتاجر المحتكر لا يسعى لتصريف مخزونه وإنما يديره زمنيًا بما يضمن استمرار الطلب القسري، حتى لو كان ذلك على حساب الأمن الغذائي للسكان. كما تؤكد الورقة أن سياسات الاحتلال لم تكن عاملًا محايدًا في هذه العملية، إذ أسهمت بشكل مباشر في خلق شروط الاحتكار من خلال التحكم الصارم في المعابر، والتذبذب المقصود في إدخال البضائع، ما حوّل الندرة إلى حالة دائمة لا طارئة. وبهذا المعنى، بات الاحتكار جزءًا من بنية سوق الحرب الجديدة وليس انحرافًا عن نظامه. وتخلص إلى أن احتكار السلع أدى إلى تفكك ما تبقى من الثقة الاجتماعية، حيث تحولت العلاقة بين المستهلك والتاجر إلى علاقة قهر، تقوم على انعدام البدائل، وتكريس اللامساواة في الوصول إلى الغذاء، ما جعل الندرة سلعة بحد ذاتها. سوق المساعدات الأسود في تحليله لظاهرة الحرب الاقتصادية، يكشف الباحث عودة عن تحوّل خطير في وظيفة المساعدات الإنسانية، إذ لم تعد في جميع الحالات أداة لتخفيف المجاعة، وأصبحت – جزئيًا – عنصرًا فاعلًا في اقتصاد السوق الموازية. فبدل أن تؤدي المساعدات إلى كسر الاحتكار وزيادة المعروض، تحوّلت في إلى أداة إضافية للتحكم بالمعروض، وبيعه بأسعار احتكارية مرتفعة. وتوضح ورقة السياسات أن هذا التحول وقع بفعل فوضى فردية، وتداخل معقّد بين الندرة المصطنعة، وضعف آليات التوزيع، وغياب الرقابة، إضافة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال على إدخال وتوزيع المساعدات، ففي ظل التحكم الصارم بمسارات الإغاثة، تصبح المساعدات نفسها موردًا نادرًا، ما يجعلها قابلة للاحتكار والاستغلال. وتشير إلى أن بعض السلع الإغاثية ظهرت في الأسواق بعد فترة قصيرة من توزيعها، ما يدل على وجود قنوات منظمة لإعادة تدوير المساعدات داخل السوق، بدل وصولها إلى مستحقيها. وبهذا، تحولت الإغاثة من تدخل إنساني طارئ إلى أداة لإعادة إنتاج الندرة، عبر سحبها من التداول المجاني وإعادتها كسلعة مدفوعة. وتحذّر الورقة من أن هذا النمط يفرغ العمل الإنساني من مضمونه، ويفقده وظيفته الأخلاقية، ويحوّل المجاعة إلى فرصة ربح، ويقوّض الثقة بين السكان والمؤسسات الإغاثية، خصوصًا حين لا يكون المتضرر قادرًا على التمييز بين فشل المنظومة الإنسانية وبين استغلالها. كما تبرز أن الاحتلال يستفيد ضمنيًا من هذا الواقع، إذ يسمح بتدفق محدود للمساعدات يخفف الضغط الدولي، دون أن يضمن وصولها الفعلي، ما يجعل الإغاثة جزءًا من إدارة الأزمة لا حلّها. تنسيقات البضائع.. احتكار مؤسسي تبلغ آليات الاستغلال ذروتها – بحسب الورقة – في ما يُعرف بـ”التنسيق الأمني” لإدخال البضائع، حيث يدار السوق عبر احتكار رسمي مقنّن، ولا يترك لقواعد العرض والطلب، ولا حتى للفوضى. إذ حصر الاحتلال إدخال السلع في عدد محدود جدًا من الشركات، لا يتجاوز 10 شركات، ما منحها سيطرة شبه مطلقة على تدفق البضائع، وتحولت إلى وسطاء قسريين يفرضون رسوماً باهظة لإدخال أي شاحنة لنظرائهم التجاريين. ويوضح الباحث عودة أن هذا النمط لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي، وإنما عمل على إعادة هندسة للسوق، حيث يستبعد معظم التجار، ويُعاد توزيع القوة الاقتصادية على أساس القرب من منظومة التصاريح والتنسيق، ويصبح الاحتكار سياسة مفروضة بالقوة العسكرية. وتشير الورقة إلى أن هذا الحصر خلق اختلالًا عميقًا في بنية السوق، إذ باتت الشركات المصرّح لها قادرة على فرض الأسعار، وتحديد الكميات، والتحكم بالتوقيت، دون أي منافسة حقيقية. كما أدى ذلك إلى تهميش التجار الصغار، وإخراجهم من السوق، ما عمّق البطالة، ووسّع الفجوة الطبقية. وتلفت إلى أن كلفة إدخال شاحنة واحدة تبلغ مئات آلاف الشواكل، وأحياناً ملايين، خصوصاً للسلع الحيوية مثل: ألواح الطاقة الشمسية، والبطاريات، والهواتف، والدخان. هذه الكلف الباهظة أُضيفت مباشرة إلى أسعار السلع تحت مسميات: نقل وتخزين وحماية، لينتهي بها الأمر عبئاً على جيب المستهلك. وتنبه إلى أن الاحتكار المفروض إسرائيليًا أخطر من الاحتكار غير الرسمي، لأنه محمي بإجراءات الاحتلال، ويصعب الطعن فيه أو تجاوزه، كما أنه يُقدم بوصفه ضرورة أمنية، لا خيارًا اقتصاديًا. وبذلك، تحول سوق غزة إلى أداة إضافية في منظومة الإخضاع المُدارة سياسيًا وأمنيًا. تضخم أم نهب منظم؟! لقياس حجم الاستنزاف الاقتصادي لجيوب المواطنين في غزة، اعتمدت ورقة السياسات على مقارنة الإنفاق الاسمي للأسر خلال الحرب مع الإنفاق الحقيقي محسوباً بأسعار ما قبل الحرب (كانون الثاني–أيلول 2023). تكشف النتائج عن معطيات صادمة: الإنفاق الاسمي خلال فترة الحرب: 1.815 مليار دولار حجم الإنفاق الحقيقي خلال الحرب: 604.8 ملايين دولار الخسارة في القوة الشرائية: 1210 ملايين دولار نسبة التآكل: 66.7% وتشرح أن هذه الفجوة (نسبة التآكل) تعبر عن انهيار فعلي في معنى الدخل نفسه وليس خسارة محاسبية مجردة، فحين تنفق الأسرة 100 دولار خلال الحرب، فإنها لا تحصل فعليًا إلا على سلع وخدمات تعادل 33 دولارًا فقط وفق معايير ما قبل الحرب. وبذلك، أصبح الدخل الذي ابتلعته آليات السوق رقماً بلا قيمة اقتصادية استهلاكية حقيقية تستمح بتأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي. وتذهب الورقة إلى تفكيك المفهوم الشائع الذي يختزل ما جرى في غزة خلال الحرب تحت مسمى “التضخم”، مؤكدة أن هذا الوصف قاصر عن تفسير ما حدث فعليًا في السوق، فمؤشر أسعار المستهلك، بوصفه أداة قياس تقليدية، لا يلتقط جملة من الظواهر التي شكّلت جوهر الأزمة المعيشية، وفي مقدمتها: التسعير المزدوج، والتكييش، والأسواق الموازية، والاحتكار السلوكي، مكان الشراء، حجم الكمية، وهو ما يجعل السعر الرسمي أو المعلن بلا معنى فعلي. وتشدد على أن ارتفاع الأسعار جاء نتيجة سلوك استغلالي منظم يستثمر في حاجة الناس للبقاء، وليس بسبب زيادة الكلفة ما يجعل توصيف ما جرى كتضخم إخفاء لطبيعة النهب الاقتصادي غير المعلن، والذي تُستنزف فيه دخول الأسر عبر آليات لا تُحتسب إحصائيًا، لكنها تُترجم جوعًا وحرمانًا وانعدامًا للأمن المعيشي أما الارتفاع الجنوني للأسعار وانكماش المعروض. كيف صمدت الأسر؟ تخصص ورقة السياسات حيزًا مهمًا لتحليل استراتيجيات الصمود التي اعتمدتها الأسر الفلسطينية في مواجهة هذا النزيف الاقتصادي القسري غير المسبوق، مؤكدة أن الصمود لم يكن خيارًا، بل ضرورة وجودية فرضتها الفجوة الهائلة بين الدخل والإنفاق الحقيقي. وتشير إلى مجموعة من الآليات التي لجأت إليها الأسر لمواجهة هذا النزيف، من بينها: استنزاف مدخراتها، ما أدى إلى تآكل شبكات الأمان العائلية بالكامل. الاعتماد على المساعدات كمصدر رئيسي لمئات آلاف العائلات. التحويلات العائلية المالية من الخارج. الاقتراض من الأقارب أو من شبكات غير رسمية. تقليص الاستهلاك إلى مستويات خطرة، انعكست جوعاً وتدهوراً صحياً واسعاً بين الأطفال وكبار السن. وتخلص الورقة إلى أن صمود الأسر لم يكن دليل قوة بقدر ما كان مؤشرًا على حجم الاستنزاف، إذ جرى الحفاظ على البقاء عبر التضحية بالصحة، والكرامة الاقتصادية، والاستقرار الاجتماعي، في سياق لم يترك بدائل حقيقية للحياة الكريمة. وتشدد على أن خسارة القوة الشرائية للأسر في غزة هو نتيجة بنية اقتصادية قسرية أعادت توزيع الدخل والمدخرات لمصلحة فئات محدودة، وأفرزت اختلالات اقتصادية ونقدية عميقة، فالأموال لم تختفِ من الاقتصاد، بل انتقلت من حسابات المواطنين إلى حسابات فئات احتكارية. وتحذر الورقة من أن أي تدخل إنساني أو اقتصادي لا يعالج هذه البنية العميقة سيبقى محدود الأثر. وتوصي بضرورة التعامل مع ممارسات الاحتكار والتسعير القسري والتكييش بصفتها آليات لإعادة توزيع قسرية للدخل في اقتصاد الحرب، وليس مجرد اختلالات ظرفية موقتة، بما يستوجب إدراجها ضمن تقارير المساءلة الاقتصادية والحقوقية الدولية.

Share this post: