ألوان تواجه الحرب.. أطفال غزة يحولون الألم إلى فسحة أمل في دير البلح
2026-03-17 - 13:24
المركز الفلسطيني للإعلام في مساحة صغيرة وسط واقع مثقل بآثار الحرب الإسرائيلية وحالة النزوح المتواصلة في قطاع غزة، يجد عشرات الأطفال متنفساً للتعبير داخل مرسم فني بسيط في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث تتحول الألوان إلى وسيلة لمواجهة الصدمات واستعادة شيء من الطفولة المفقودة، وفق تقرير لوكالة الأناضول. داخل مرسم “أتيليه ميس”، يجلس الأطفال على الأرض وحول طاولات بسيطة، أو حتى فوق حجارة من بقايا مبانٍ دمرها القصف، ممسكين بالفرشاة والألوان لرسم عوالم مغايرة لتجاربهم القاسية خلال الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وبينما تمتزج الألوان على الأوراق، يحاول الأطفال تحويل مشاهد الخوف والنزوح إلى لوحات تنبض بالحياة، في محاولة لاستعادة لحظات الطفولة التي غيّبتها الحرب. وخلال هذه الفترة، دفع الأطفال “الثمن الأعلى”، وفق توصيف الأمم المتحدة، إذ قُتل أكثر من 20 ألف طفل، فيما فقد عشرات الآلاف أحد الوالدين أو كليهما. ويشكّل الأطفال نحو 47% من سكان القطاع البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، ما يعكس حجم التأثير العميق للحرب على هذه الفئة. الرسم كمساحة للتعبير تقول الطفلة عبير شبير (14 عاماً)، التي نزحت مرتين من خان يونس قبل أن تستقر مؤقتاً في دير البلح، إن المرسم وفّر لها مساحة للتعبير عن مشاعرها بعد ما شهدته من أحداث قاسية. وتضيف أن الرسم تحوّل إلى وسيلة لتفريغ المشاعر السلبية، إذ بدأت برسم مشاهد حزينة قبل أن تتجه تدريجياً إلى لوحات أكثر إيجابية تعكس تحسناً في حالتها النفسية. وتحكي الطفلة رفيف العطار (11 عاماً) تجربة مشابهة، مشيرة إلى أن رسوماتها كانت تعكس في البداية واقع الحرب من دمار وخيام وأزمات معيشية، قبل أن تتغير لاحقاً نحو رسم الطبيعة والورود والأطفال في مشاهد أكثر أملاً. ولا يقتصر تأثير المرسم على الجانب الفني، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية للأطفال، إذ تشير العطار إلى أنها أصبحت أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع الآخرين، بعد أن كانت تميل إلى العزلة. الفن كوسيلة علاج المرسم أسسته الفنانة التشكيلية ميس يوسف بعد فقدان منزلها ومرسمها خلال الحرب، لتبدأ بتنظيم ورشات رسم للأطفال النازحين، الذين مرّ كثير منهم بتجارب قاسية، من بينها فقدان أفراد من عائلاتهم أو النجاة من تحت الأنقاض. وتوضح يوسف، وفق الأناضول، أن الفن تحوّل إلى وسيلة علاج نفسي، يساعد الأطفال على التعبير عن تجاربهم دون خوف أو خجل، مشيرة إلى أن بعضهم بدأ يروي قصصه عبر اللوحات بعد أن كان يتردد في الحديث عنها. وفي هذا السياق، أطلقت مبادرة بعنوان “رسائل إلى السماء”، تتيح للأطفال التعبير عن تجاربهم من خلال الرسم، وقد وصلت أعمالهم إلى خارج غزة عبر معارض أقيمت في دول أوروبية، من بينها هولندا وإيطاليا، حيث تفاعل معها أطفال من أعمارهم نفسها. وتعمل يوسف حالياً على إعداد كتاب يوثق قصص الأطفال خلال الحرب، بهدف نقل أصواتهم إلى العالم، مؤكدة أن هؤلاء الأطفال “ليسوا مجرد أرقام، بل قصص إنسانية يجب أن تُروى”. واقع إنساني قاسٍ ورغم تراجع حدة العمليات العسكرية، لا تزال تداعيات الحرب تلقي بظلالها على حياة الأطفال في غزة، في ظل حرمانهم من التعليم المنتظم، والاكتفاء بخيام تعليمية محدودة، إضافة إلى غياب بيئة آمنة وحرمانهم من أبسط حقوقهم في اللعب والحياة الطبيعية. ويعيش نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون فلسطيني في القطاع أوضاعاً إنسانية صعبة داخل خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، بعد تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية. وخلفت الحرب أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد على 171 ألف جريح، إضافة إلى دمار طال نحو 90% من البنى التحتية المدنية، في وقت تتواصل فيه خروقات وقف إطلاق النار، ما يبقي المخاوف قائمة من تجدد التصعيد.