إسرائيل تنتقل من إدارة الصراع إلى حسمه… الضفة أمام أخطر تحول منذ أوسلو
2026-02-27 - 15:27
المركز الفلسطيني للإعلام لم يعد ما تشهده الضفة الغربية مجرد تصعيد أمني أو توسع استيطاني اعتيادي يمكن احتواؤه ضمن معادلات الصراع التقليدية، بل بات – وفق تقديرات محللين سياسيين – مسارًا سياسيًا متكاملًا يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والقانوني، وصولًا إلى تثبيت وقائع نهائية تُقوّض الأساس الذي قامت عليه فكرة الدولة الفلسطينية. وتشير المؤشرات المتراكمة، من تسارع وتيرة الاستيطان، وإعادة إحياء مشاريع كانت مجمدة لسنوات، إلى جانب فرض أنماط جديدة من السيطرة على الأرض والسكان، إلى أن المرحلة الراهنة تمثل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف طبيعة الصراع ذاته، وتنقل إسرائيل من موقع “إدارة الصراع” إلى مرحلة “حسمه” وفق رؤيتها. أوسلو... نهاية غير معلنة ويرى المحلل السياسي أمجد بشكار أن اتفاق أوسلو انتهى فعليًا، حتى وإن لم يُعلن ذلك رسميًا، معتبرًا أن أي إعلان إسرائيلي صريح عن ضم أجزاء من الضفة الغربية لن يكون سوى “المسمار الأخير في نعش الاتفاق”، الذي جرى تفريغه تدريجيًا عبر إجراءات ميدانية متراكمة. وأوضح بشكار في حديث صحفي أن الضم لم يعد سيناريو مستقبليًا، بل واقعًا يجري تنفيذه منذ سنوات بصورة هادئة ومتدرجة، مستشهدًا بتصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عام 2017، التي تحدث فيها صراحة عن ضرورة الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه، ضمن خطة حملت عنوان “حسم الصراع”، مضيفًا أن ما كان يُطرح حينها كتصور نظري أصبح اليوم سياسة عملية تُنفذ على الأرض. واعتبر أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في السياسات الإسرائيلية، بل في غياب استجابة فلسطينية سياسية بمستوى التهديد، مشيرًا إلى أن القيادة الفلسطينية استمرت في الرهان على مسار سياسي لم يعد قائمًا فعليًا، رغم التحولات البنيوية في الموقف الإسرائيلي. وقال إن هذا الرهان ساهم في خلق فجوة بين الواقع السياسي الفعلي والخطاب الرسمي، ما أضعف القدرة على بلورة استراتيجية مواجهة متماسكة. وأضاف أن إسرائيل، حتى دون إعلان رسمي بحل السلطة الفلسطينية، تعمل بصورة منهجية على تفريغها من مضمونها السيادي، مع الإبقاء على هياكلها الإدارية كأداة لإدارة الشأن اليومي للفلسطينيين. ولم يستبعد أن ينتهي هذا المسار بتحويل السلطة إلى إطار إداري محدود الصلاحيات، يدير التجمعات السكانية الفلسطينية دون أي سيادة حقيقية، في صيغة تعيد إنتاج نموذج الحكم الذاتي المقيد. الضم كخيار استراتيجي وليس إجراءً مؤقتًا من جانبه، قال الكاتب والباحث السياسي محمد القيق إن ما يجري في الضفة الغربية يعكس انتقالًا واضحًا من سياسات السيطرة المؤقتة إلى مشروع ضم فعلي يستهدف إنهاء ما تبقى من مقومات السيادة الفلسطينية. وأوضح أن إعادة طرح مشاريع حساسة، مثل مشروع (E1) شرق القدس، والتي كانت الحكومات الإسرائيلية السابقة تتجنب المضي فيها خشية ردود الفعل الدولية، يشير إلى تغير جوهري في الحسابات السياسية الإسرائيلية، يعكس ثقة متزايدة بإمكانية فرض هذه الوقائع دون كلفة سياسية حقيقية. وأضاف أن تسارع الاستيطان، خصوصًا في مناطق (C)، إلى جانب سن قوانين إسرائيلية توسّع نطاق السيادة القانونية الإسرائيلية على الضفة، يعكس انتقالًا من إدارة الصراع إلى إعادة هندسته بالكامل، بما يؤدي إلى تحويل الفلسطينيين إلى تجمعات سكانية منفصلة جغرافيًا، تفتقر إلى مقومات الدولة. وأشار القيق إلى أن هذا التحول لم يكن ليحدث دون وجود بيئة دولية وإقليمية مواتية، لافتًا إلى أن الدعم الأمريكي والتقاطعات الإقليمية المرتبطة بترتيبات ما بعد “صفقة القرن” وفرت مظلة سياسية شجعت إسرائيل على المضي قدمًا في تكريس هذا الواقع. إعادة تعريف وظيفة السلطة بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي عادل شديد أن ما يجري يتجاوز حدود الضم الجغرافي، ليصل إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية نفسها ضمن المنظومة التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها. وأوضح شديد في تصريح لمراسلنا أن إسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى إنهاء وجود السلطة بشكل كامل، بل إلى إعادة تشكيل دورها بحيث تصبح أداة إدارية وظيفية، تتولى إدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين دون أن تمتلك أي مقومات سيادية، مشيرًا إلى أن هذا النموذج يخفف الأعباء عن إسرائيل كقوة احتلال، دون أن يمنح الفلسطينيين أي حقوق سياسية حقيقية. وأضاف أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو أنها تشهد تحولًا تدريجيًا وغير صاخب، يتم عبر إجراءات قانونية وإدارية وميدانية متراكمة، بحيث يصبح الواقع الجديد أمرًا مفروضًا قبل أن يتحول إلى قرار سياسي معلن. ولفت إلى أن هذا النمط من التحولات يجعل مواجهته أكثر تعقيدًا، لأنه لا يرتبط بلحظة إعلان واحدة، بل بمسار طويل من إعادة تشكيل الوقائع. وأشار شديد إلى أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تقويض فكرة الدولة الفلسطينية بصورة عملية، حتى وإن استمرت في الوجود كطرح سياسي نظري، موضحًا أن الخطر الحقيقي يكمن في تثبيت نموذج “الكيانات السكانية المعزولة”، التي تدار إداريًا دون أن تمتلك أي سيطرة على الأرض أو الموارد أو الحدود. وتتقاطع تقديرات المحللين عند أن الضفة الغربية تقف أمام مرحلة قد تكون الأكثر حساسية منذ توقيع اتفاق أوسلو، حيث تتسارع التحولات الميدانية والسياسية بوتيرة تهدف إلى تثبيت واقع جديد يصعب التراجع عنه.