تكلفة الحرب تتصاعد: ضغوط اقتصادية وهجرة متزايدة تهزّ إسرائيل
2026-03-28 - 16:04
المركز الفلسطيني للإعلام مع دخول العدوان الإسرائيلي–الأميركي على إيران ولبنان شهره الثاني، تتكشف تدريجياً كلفة اقتصادية ومالية تتجاوز التقديرات الأولية التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية في بداية المواجهة. فقد خُصصت نحو 39 مليار شيكل كميزانية أولية لتغطية النفقات العسكرية والمدنية، غير أن تقديرات وزارة جيش الاحتلال تشير إلى أن احتياجاتها وحدها قد تصل إلى نحو 40 مليار شيكل، ما يرجّح ارتفاع الكلفة الإجمالية للحرب إلى مستويات أكبر. وتأتي هذه الأعباء فوق كلفة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي بلغت نحو 400 مليار شيكل، وفق تقرير بنك إسرائيل لعام 2025 الصادر في 23 مارس/آذار 2026، في مؤشر إلى تصاعد الضغوط على الاقتصاد واحتمالات تدهور الأوضاع الاقتصادية. ولا تقتصر تداعيات الحرب على الكلفة المباشرة، بل تمتد إلى آثار بعيدة المدى يصعب حصرها في هذه المرحلة، في ظل تداخل العوامل الأمنية والاقتصادية. ويشير تقرير بنك إسرائيل إلى أن هذا التداخل يسهم في زيادة الهجرة من إسرائيل، لا سيما بين شرائح الطبقة الوسطى والعليا، التي تشكل ركيزة أساسية في النشاط الاقتصادي، وهي ظاهرة تسارعت منذ اندلاع الحروب عقب السابع من أكتوبر 2023. ميزان هجرة سلبي يسلط تقرير بنك إسرائيل لعام 2025، الصادر في 26 مارس/آذار، الضوء على التحول الحاد في ميزان الهجرة، الذي أصبح سلبياً خلال عامي 2024 و2025 لأول مرة منذ سنوات طويلة. فقد بلغ صافي الهجرة نحو 20 ألف مغادر سنوياً، مقارنة بميزان إيجابي خلال الفترة 2016–2019، بفارق يقارب 40 ألف شخص. وحتى مع استثناء المهاجرين اليهود المؤقتين، يبقى الانخفاض الصافي بعشرات الآلاف، وهو ما يتجاوز هامش الخطأ الإحصائي، ويحمل تداعيات مباشرة على بنية الاقتصاد، وسوق العمل، وسوق الإسكان. ويربط التقرير هذا التحول بالحروب التي خاضتها إسرائيل منذ 2023، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المتراكمة، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة تملك المساكن، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، ما يشير إلى أن الحرب لم تُنشئ الظاهرة بقدر ما سرّعت وتيرتها. وتُظهر المعطيات أن قرارات الهجرة، خصوصاً لدى الأسر القادرة على التنقل الدولي، لم تعد مرتبطة بالعوامل الاقتصادية فقط، بل تتأثر أيضاً بالاعتبارات الأمنية والسياسية. ورغم صعوبة الجزم بطبيعة هذه الظاهرة، مؤقتة كانت أم مستمرة، فإن التحول إلى ميزان هجرة سلبي يُعد حدثاً استثنائياً بمقاييس اقتصادية. تراجع سوقي العمل والإسكان تتجاوز آثار الهجرة السلبية بعدها الديمغرافي، لتطال عمق البنية الاقتصادية. فبحسب بنك إسرائيل، يغادر نحو 9 آلاف عامل سوق العمل سنوياً فوق المعدلات السابقة، ما يشكل ضربة مباشرة لقوة العمل، خاصة في القطاعات المتقدمة. وتشير البيانات إلى أن نسبة معتبرة من المغادرين تنتمي إلى الفئات الأقوى اقتصادياً، من شباب متعلمين وعاملين في قطاع التكنولوجيا وأصحاب دخول مرتفعة، ما ينعكس على إمكانات النمو الاقتصادي، ويقوّض الإحساس بالأمان الاقتصادي. ويمتد هذا التأثير إلى سوق الإسكان، حيث يؤدي تراجع هذه الفئات إلى انخفاض الطلب الاستثماري وتراجع المبيعات، لا سيما في سوق الشقق الجديدة مرتفعة الثمن. وتشير المعطيات إلى مغادرة نحو 10 آلاف أسرة سنوياً خلال العامين الأخيرين، ما انعكس في انخفاض الطلب على الشقق الجديدة وتراجع الإقبال على المساكن الفاخرة، خصوصاً في المناطق المركزية. وتفيد بيانات مركز أبحاث الكنيست ودائرة الإحصاء المركزية بأن هذه الفئات تشكل جزءاً رئيسياً من الطلب في سوق الإسكان، ما يعني أن تراجعها بشكل نسبي يترك أثراً غير متناسب على السوق. وفي هذا السياق، لا يقتصر التأثير على تراجع عدد المشترين، بل يمتد إلى تغير في طبيعة الطلب، مع خروج فئات تقود السوق العقارية، ما يضغط على أسعار المشاريع الجديدة، خاصة تلك الموجهة إلى أصحاب القدرة الشرائية المرتفعة. ومع ذلك، لا يتوقع التقرير انهياراً واسعاً في الأسعار، بسبب القيود المستمرة على جانب العرض، مرجحاً سيناريو أكثر تعقيداً يجمع بين انخفاضات موضعية واستقرار نسبي في مناطق أخرى. إشارات عدم ثقة وتداعيات ممتدة يحذر التقرير من أن اتساع ظاهرة الهجرة السلبية يبعث بإشارات عدم ثقة في السوق، ما قد يدفع مشترين محتملين إلى التريث، ويعمّق حالة عدم اليقين. وفي حال استمرار هذا الاتجاه، فإن التأثير لن يقتصر على الاقتصاد الكلي، بل سيمتد إلى سوق الإسكان، من خلال تراجع الطلب وترسخ سلوك الانتظار لدى المشترين، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على أسعار الشقق الجديدة وسوق الإسكان الثانوي. بالمحصلة، يُظهر تقرير بنك إسرائيل أن الهجرة من إسرائيل لم تعد مسألة ديمغرافية فحسب، بل باتت تحمل أبعاداً اقتصادية عميقة، خصوصاً في ظل كون غالبية المغادرين من الفئات المنتجة. ومع استمرار الحرب واتساعها، تبدو هذه الاتجاهات مرشحة للتفاقم، بما يضع الاقتصاد الإسرائيلي أمام تحديات مركبة في المدى المنظور.