ThePalestineTime

العيد في خيام غزة.. طقوس مبتورة وذاكرة تبحث عن مكان

2026-03-21 - 11:43

المركز الفلسطيني للإعلام يحلّ عيد الفطر هذا العام على قطاع غزة في سياق استثنائي، حيث لم تعد الحرب تقتصر على تغيير الجغرافيا، بل أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، دافعةً آلاف العائلات إلى فضاءات مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار. داخل مخيمات النزوح، يتحول العيد إلى اختبار قاسٍ لقدرة الفلسطينيين على الحفاظ على طقوسهم، ولو في حدودها الدنيا. ولم تعد الخيمة مجرد مأوى طارئ، بل صارت عالماً مكتملًا تعيش فيه العائلة بكل تفاصيلها، رغم ضيقه واكتظاظه، وما يفرضه من واقع مختلف على معنى العيد. يقول أبو ياسر سرور (49 عاماً): “كنا في بيتنا نستقبل العيد بترتيب وتنظيف وتجهيز... كانت زوجتي تزيّن المكان، والأطفال يلبسون الجديد ويستقبلون الضيوف. اليوم نحن في خيمة بالكاد تتسع لنا، نحاول ترتيبها، لكن الشعور مختلف تماماً... لا يوجد إحساس بأن هناك عيداً فعلاً”. ويضيف بصوت مثقل: “الأصعب من المكان هو الشعور... كأنك تعيش العيد من دون روحه”. أما فداء أبومغصيب (38 عاماً) فتشير إلى أن “الخيمة لا تحتمل زيارات ولا تجمعات. حتى لو أردنا استقبال أحد لا نستطيع. العيد كان يقوم على اللمة... الآن كل عائلة في خيمتها، وهذا أكثر ما يؤلم”. تفكك طقوس العيد الطقوس التي كانت تشكّل بنية اجتماعية متكاملة للعيد، تفككت داخل المخيمات، وباتت ممارسات محدودة ومختصرة. يقول إبراهيم المزين (55 عاماً): “كنا نخرج بعد الصلاة ونبدأ جولات الزيارات من بيت إلى بيت. اليوم لا شيء من هذا. بالكاد نهنئ من حولنا هنا، وبشكل سريع”. ويضيف: “الناس مرهقة... لا أحد لديه طاقة للفرح كما كان”. بدورها، توضح سهام مقداد (43 عاماً): “كنا نحضّر الطعام قبل العيد بأيام، نخبز الكعك ونعد الحلويات. اليوم نطبخ ما يتوفر، وأحياناً لا يوجد شيء مميز... نحاول فقط ألا يكون اليوم عادياً بالكامل”. الأطفال هم الأكثر تأثراً بهذا التحول، وإن ظلوا الأكثر قدرة على التكيّف، إذ يقول الطفل آدم (9 سنوات): “العيد هنا مختلف... لا نخرج كثيراً، ولا توجد أماكن للعب. نحاول اللعب بين الخيام ونصنع ألعاباً من أشياء بسيطة”. ويضيف: “أحياناً أتخيل كيف كان العيد في بيتنا... بابا يحكي لنا عنه دائماً”. أما الطفلة ملك (7 سنوات) فتقول: “أريد أن ألبس فستان العيد وأزور جدتي... لكننا هنا. ماما وعدتني أن نحتفل بطريقة بسيطة”، قبل أن تضيف بخفوت: “المهم أن نكون مع بعض”. وفي ظل غياب السيولة، تغيّر شكل “العيدية”، من قيمة نقدية إلى لفتة رمزية، تقول فتحية أبوعمرة (34 عاماً)، مشيرة إلى أن الأطفال يسألون عن العيدية، “ولا نستطيع إعطاءهم نقوداً كما في السابق. نحاول تعويض ذلك بقطعة حلوى أو بسكويت، أو لعبة بسيطة إن توفرت”. وتمضي بالقول: “نحاول الحفاظ على الشعور... أن هذا اليوم مختلف”. في حين يلفت قصي أبو العطا (46 عاماً) إلى أن المشكلة ليست في قيمة العيدية، بل في معناها، “نخشى أن يكبر الأطفال وهم لا يعرفون هذا الشعور الذي عشناه”. أولويات قاسية في بيئة النزوح، تتقدّم الاحتياجات الأساسية على ما سواها، فيتراجع العيد إلى مرتبة لاحقة، كما يبين أبو سليم (52 عاماً)، قائلا: “نفكر يومياً في تأمين الماء والطعام... هذه أولوياتنا. العيد يأتي لاحقاً، إذا بقي مجال. ومع ذلك، نحاول ألا يشعر أطفالنا أنه يوم عادي”. أما أم محمد (40 عاماً) فتقول: “نعيش بين رغبتين؛ تأمين الأساسيات والحفاظ على شيء من الفرح. نحاول الموازنة، رغم صعوبتها”. وسط هذا الواقع، يبرز التضامن كأحد أشكال التخفيف من قسوة الحياة. تقول أم أحمد (47 عاماً): “إذا توفر لدينا شيء نقسمه مع الجيران... طعام أو حلوى. الأطفال يلعبون معاً، ولا نريد أن يشعر أحد بالحرمان”. وتضيف: “العيد هنا جماعي رغم كل شيء”. في خيام غزة، لم يعد العيد طقساً احتفالياً بقدر ما أصبح فعلاً من أفعال الصمود. هكذا يراه أبو محمود السيسي (60 عاماً)، قائلا: “لا نحتفل كما كنا، لكننا نرفض أن يمرّ العيد كأي يوم عادي. نحاول أن نحافظ على الفكرة... على الفرحة”.

Share this post: