اختصاصية نفسية: غزة تعيش صدمة استعمارية عميقة ستمتد لأربعة أجيال
2026-01-29 - 12:53
المركز الفلسطيني للإعلام حذّرت الطبيبة الفلسطينية المتخصصة في الصحة النفسية سماح جبر من أن سياسات التجويع الممنهج والإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في غزة لا تخلّف دمارًا آنياً فحسب، بل تزرع صدمات نفسية عميقة قد تمتد آثارها لأجيال متعاقبة. وقالت جبر، في حديث لوكالة الأناضول، إن الأضرار النفسية الناجمة عن التجويع والإبادة قد لا تنتهي بوقف الحرب، مشيرة إلى أن آثارها النفسية والاجتماعية قد تستمر لثلاثة أو أربعة أجيال، لتتحول إلى جرح غائر في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني. وأوضحت أن سكان غزة يعانون منذ سنوات من سوء تغذية مزمن، مؤكدة أن التجويع القسري ليس نتيجة عرضية للحرب، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الإرادة الجماعية للفلسطينيين. وأكدت أن الفصل بين أسباب الصدمة النفسية في غزة بات أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل تداخل عوامل الجوع والدمار والنزوح والقصف وفقدان الأحبة. وتبيّن جبر أن المأساة لا تقتصر على الجوع وحده، بل تشمل تراكماً طويل الأمد من العوامل النفسية القاسية، أبرزها العزلة القسرية، وانعدام حرية الحركة منذ عقود، إلى جانب التعرض المستمر للقصف المكثف على مدى أكثر من عامين، ما ولّد شعوراً متنامياً لدى الفلسطينيين بأنهم “خارج دائرة الاهتمام العالمي”، وأنهم تُركوا لمصيرهم. “صدمة استعمارية” في غزة وتصف ما يعيشه الفلسطينيون بأنه يندرج ضمن إطار “الصدمة الاستعمارية”، وهي صدمة تمسّ كل تفاصيل الحياة اليومية، “نعرف من خلال دراسات متعددة حول المجاعات الكبرى في العالم (مثل الصين وإيرلندا)، أن التأثير النفسي للجوع لا يقتصر على الجيل الذي عايشه، بل ينتقل إلى الأجيال اللاحقة التي تكون أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وتواجه صعوبة أكبر في التكيّف الوظيفي والاجتماعي”. وأشارت جبر إلى أن غزة، رغم الحصار الطويل، كانت تضم قبل الحرب عدداً من المبادرات والمؤسسات الداعمة للصحة النفسية، إلا أن هذه المنظومة الهشة “انهارت بالكامل” خلال الأسابيع الأولى من حرب الإبادة التي بدأت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وتنقل جبر رسالة مؤثرة من زميلها الطبيب النفسي محمد سعيد كحلوت، قال فيها إنه يقلل طعامه إلى الحد الأدنى ليطعم أطفاله، موضحاً أن الجوع أفقده القدرة على العمل والاستماع إلى المرضى. وتعلق بالقول: “عندما يكون المعالج نفسه جائعاً، فإن الجوع لا يدمّر جسده فقط، بل يقوّض قدرته الوظيفية، ويؤثر بتوازنه النفسي والجسدي في آن واحد”. ورغم الحديث عن “وقف إطلاق النار”، تؤكد جبر أن المعاناة الإنسانية لم تنتهِ؛ إذ لا يزال نقص الغذاء والرعاية الصحية يحصد الأرواح. وتقول: “ما زال الناس يموتون بسبب أمراض لم تُعالج، والتهابات، وأمراض مزمنة كالسكري، والحاجة لغسل الكلى. الشتاء يفاقم المأساة، والناس يواجهون البرد وهم يعانون من سوء تغذية حاد”. وفي سياق تحليلها العلمي، تستشهد جبر بتجربة “مينيسوتا للجوع” (1944-1945)، التي درست آثار الجوع طويل الأمد، وأظهرت تدهوراً حاداً في السلوك النفسي والاجتماعي للمشاركين، وفقدانهم الدافع، وميلهم للعدوانية والاكتئاب. وتختم جبر حديثها بالقول: “الجوع لا يستهدف الجسد فقط، بل يترك أثره في الذاكرة التاريخية. عندما يعرف الأطفال أن آباءهم وأجدادهم عانوا التجويع، فإن علاقتهم بالطعام والمال والأمان ستختلف؛ وهذا الشعور بعدم اليقين سينتقل عبر الأجيال ويظهر في أساليب التربية ونظرة الإنسان إلى مستقبله لسنوات طويلة قادمة”.