ThePalestineTime

تغريبة معبر رفح.. من حلم المطار إلى الثكنة العسكرية

2026-02-15 - 08:20

لم يكن معبر رفح يوما مجرد نقطة حدودية بين جغرافيتين، بل كان دائما مقياسا لميزان الطموح الوطني الفلسطيني ومنسوب القلق الأمني الإسرائيلي. فعلى هذه الحدود الضيقة، صعدت أحلام الدولة وسقطت، وتحول شريان الحياة من رمز للسيادة والارتباط بالعالم الخارجي إلى ساحة للتدقيق الأمني المشدد والمساومات السياسية الكبرى. فبينما كانت طائرة الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون تهبط على مدرج مطار غزة الدولي عام 1998، كان الغزيون يتطلعون إلى الخروج من السجن الكبير عبر أجنحة سيادة ناشئة تحاول أن تتحدى الجغرافيا وتكسر قيد العزلة. اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن، تلاشت ملامح تلك الأجنحة تحت جنازير الدبابات، وتحول هدير الطائرات إلى صمت ثقيل يخيم على طموحات الغزيين. إنها تغريبة معبر رفح، الحكاية التي انتقلت فيها مفاتيح البوابة إلى قبضة الشاباك وسطوة المليشيات المسلحة التي تتربص بالعائدين إلى غزة. فكيف تحول معبر رفح من جسر للسيادة إلى ثكنة للفرز الأمني، وكيف استخدمت إسرائيل “خطة النقاط العشرين” للرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتحويل البوابة الوحيدة للحياة إلى أداة لترسيخ التهجير وتفتيت ما بقي من أمل. حلم السيادة (1998-2000) على مرمى البصر من معبر رفح، توجد أطلال مطار غزة الدولي الذي بُني خلال التسعينيات، بتمويل دولي تجاوز 67 مليون دولار، وقد شكل افتتاحه يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، بناء على توقيع مذكرة “واي ريفر”، أبرز مظاهر السعي الفلسطيني لبناء مرافق سيادية مستقلة. لكن هذا المرفق السيادي تعرض لسلسلة من الاستهدافات العسكرية الإسرائيلية التي أخرجته عن الخدمة تماما: ففي أكتوبر/تشرين الأول 2000، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، أصدرت سلطات الاحتلال أمرا بإغلاق المطار أمام الملاحة الجوية. وفي ديسمبر/كانون الأول 2001، قامت الجرافات العسكرية الإسرائيلية بتجريف مدرج المطار لأول مرة، مما جعله غير صالح لاستقبال الطائرات، كما دمرت الرادارات وبرج المراقبة في فبراير/شباط 2002. في يونيو/حزيران 2006، وخلال العملية العسكرية التي أطلق عليها الاحتلال اسم “أمطار الصيف”، قصف الطيران الإسرائيلي مبنى صالة الشرف والمباني الرئيسية للمطار وحولها إلى ركام. وفي حرب 2008-2009، استهدفت الغارات ما تبقى من الهياكل الخرسانية للمطار، وتحول الموقع إلى منطقة شبه مهجورة. في الحرب الأخيرة على غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أتم جيش الاحتلال الإسرائيلي تدمير ما تبقى من أطلال المطار بالكامل عبر التجريف الشامل للأرض المحيطة به وتحويله إلى منطقة عازلة، مما محا أثره تماما من الخارطة الجغرافية للقطاع. المراقب الأوروبي (2005-2007) عقب الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، وُقعت “اتفاقية المعابر” برعاية أمريكية، يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. وبموجب نص الاتفاق، تتولى السلطة الفلسطينية إدارة معبر رفح من الجهة الفلسطينية، في حين تديره مصر من الجهة المقابلة، مع وجود فريق من الاتحاد الأوروبي بوصفه طرفا ثالثا يتولى مراقبة تنفيذ بنود الاتفاق وضمان التزام السلطة بالقواعد والإجراءات المعتمدة. كما يتيح الاتفاق للطرف الثالث صلاحية طلب إعادة تفتيش أي مسافر أو أمتعة في حال الاشتباه، ويمنحه رقابة أمنية مباشرة عبر منظومة كاميرات تنقل صورا حية إلى غرفة تحكم مشتركة، يشرف عليها بالتوازي مع الجانب الإسرائيلي. كانت إحدى الثغرات الجوهرية في الاتفاقية أن تشغيل المعبر يتوقف تلقائيا عند غياب المراقبين الأوروبيين عن موقعهم، لكن وصول هؤلاء المراقبين كان يتم حصرا عبر طريق خاضع للسيطرة الإسرائيلية، وهو ما أتاح لإسرائيل منعهم من الوصول وإبقاء المعبر مغلقا بذريعة الدواعي الأمنية. عصر الأنفاق والجمود السياسي (2007 وما بعدها) أدى الانقسام الفلسطيني، الذي بدأ عقب انتخابات 2006 وانتهى بسيطرة حركة حماس على القطاع في يونيو/حزيران 2007، إلى تحوُل جذري في وظيفة المعبر، إذ انتقل إلى “أداة للضغط السياسي”، يُفتح تارة، ويُغلق تارات أخرى. الانفجار الشعبي (2008): في تلك المرحلة، شهد المعبر لحظات فاصلة، ففي يناير/كانون الثاني 2008، وتحت وطأة الحصار الخانق، حطم آلاف الفلسطينيين الجدار الحدودي مع مصر في مشهد تاريخي، ليتدفق مئات الآلاف نحو العريش لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وهو ما كسر هيبة الحصار مؤقتا قبل إعادة إغلاقه. “الأنفاق”: كما ازدهرت ما يعرف بـ”دولة الأنفاق” تحت الأرض بديلا اضطراريا للغزيين، وحولت الحدود إلى منطقة تجارة حرة غير رسمية وجسر لتمويل الفصائل الفلسطينية وتسليحها، ليصبح المعبر فوق الأرض رمزا للعزلة، وتحتها رمزا لتمرد الجغرافيا على السياسة. غير أنه في يوليو/تموز 2014 أصدرت السلطات المصرية قانونا يغلظ عقوبة حفر الأنفاق الحدودية الرابطة بين مصر ودول الجوار، وشنت حملة واسعة لردم الأنفاق الرابطة بين مصر وقطاع غزة. سياسة التقطير (بعد 2013): مع تغيُر المعادلات السياسية في مصر، دخل المعبر مرحلة “الموت السريري”، فبعد عام 2013، أصبح الفتح الاستثنائي هو القاعدة، إذ كانت البوابة لا تُفتح إلا يومين أو ثلاثة كل بضعة أشهر، مما خلق قوائم انتظار بشرية مريرة وصلت إلى عشرات الآلاف. “التنسيقات”: بعد انسداد الأنفاق وإغلاق المعبر، برزت منظومة “التنسيقات”، إذ تحول الحق في التنقل إلى تجارة رابحة تتطلب دفع آلاف الدولارات لوسطاء وشركات أمنية خاصة مقابل العبور. من وعود “النقاط العشرين” إلى المصيدة الأمنية (2026) منذ مايو/أيار 2024، تحتل إسرائيل الجانب الفلسطيني من معبر رفح، ضمن حرب إبادة جماعية بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لأكثر من عامين. وتأتي إعادة فتح المعبر يوم 2 فبراير/شباط الجاري ضمن المرحلة الثانية من “خطة النقاط العشرين” للرئيس ترمب، وهو استحقاق كان يُفترض تنفيذه في المرحلة الأولى فور توقيع الاتفاق يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لكن إسرائيل لم تلتزم بذلك، وأرجأت فتحه إلى حين تسلُمها جميع جثث أسراها داخل القطاع. ومع إعادة فتح معبر رفح، تحول الموقع إلى ما يشبه المصيدة الأمنية، إذ أنشأ جيش الاحتلال نقطة عسكرية ثابتة لفحص كل القادمين، أطلق عليها اسم “ريغافيم”، وأعلن أن قوات الأمن ستتولى في هذا الممر فحص هويات القادمين ومطابقتها مع القوائم التي صادقت عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، معتبرا أن “ريغافيم” يشكل جزءا من منظومة تهدف إلى تشديد الرقابة الأمنية وتعزيز السيطرة على حركة العبور. ولإحكام القبضة، لم يكتفِ الاحتلال بالإجراءات الرسمية بل فوض “مليشيا أبو شباب” لمرافقة العابرين داخل المناطق التي يسيطر عليها الجيش في رفح، وفقا لما كشفته هيئة البث الإسرائيلية الرسمية. وهناك يعيش العائدون فصولا من التنكيل، إذ يتعرضون للضرب والتحقيق القاسي، في سياسة ممنهجة تهدف بوضوح إلى ترهيب الفلسطينيين وثنيهم عن العودة إلى قطاع غزة. ورغم أن الفتح الحالي يمنح الفلسطينيين بصيصا من الأمل في التنقل والعلاج، فإنه يضعهم أمام واقع قاسٍ، مفاده أن الطريق إلى العالم لا يزال يمر عبر قنوات الرضا الأمني، وأن السيادة التي حلموا بها عبر أجنحة الطائرات في مطار غزة، استُبدلت بها اليوم شاشات مراقبة وتصاريح أمنية في ممرات رفح الضيقة.

Share this post: