في المشروع الوطني الفلسطيني
2026-02-11 - 10:08
واضح أن الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل مكوناتها، تمرّ بأزمة بنيوية عميقة. يتضح هذا من خلال تكلس البنى والهياكل، وتراجع الخيارات، وغياب الوحدة، وانحسار الديمقراطية، وتعزيز سلطة الفرد، وتهميش العمل المؤسساتي. ويتضح أيضاً في تقدّم المشروع الصهيوني عبر حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، والتقدّم في عملية الضم الزاحف والتهويد في الضفة الغربية، بالاستناد إلى خطة الحسم، وإنشاء منظومة من المعازل والبانتوستانات بها. تكمن أبرز مظاهر ضعف الحركة الوطنية في وضع اشتراطات على السلطة الفلسطينية تستند إلى وجوب تحقيق “إصلاحات” تتصدرها عملية تغيير المناهج، بهدف إعادة تشكيل الوعي، وليس مطلب تحقيق الإصلاح فقط في خطة ترامب المؤلفة من 20 بنداً، وتتضمن العمل على فتح مسار “موثوق” لمفاوضات تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية، بل يشمل شرط الإصلاح أيضاً إعلان نيويورك الذي يربط إقامة الدولة بتحقيق إجراءات إصلاحية في السلطة الفلسطينية. وإذا كانت هناك شروط تجاه السلطة، بهدف “تأهيلها”، فإن شروطاً أخرى مطروحة على حركة حماس، تتضمن نزع سلاحها شرطاً لتنفيذ عملية إعادة الإعمار في غزّة. وهذه الشروط ناتجة عن موازين القوى التي ازدادت اختلالاً لصالح دولة الاحتلال ما بعد تنفيذ حرب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي شنّتها لأكثر من عامين، وصولاً إلى محاولات تشكيل شرق أوسط جديد تتصدّر به المشهد. وتظهر الشروط المطروحة على كل من السلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح، وعلى “حماس”، بشكل واضح، حالة التراجع والضعف التي تعاني منها الحركة الوطنية، في ظل ضعف قوى اليسار وانحسارها وتراجعها وإخفاقها في تحقيق الوحدة التي كان يؤمل بها إذا ما تحققت أن تشكل تياراً ثالثاً في المجتمع الفلسطيني. وإذا كان نقاش المثقفين والعاملين في الحقل السياسي والوطني يركّز على حل الدولة أو الدولتين، أو تفكيك نظام الأبارتهايد والفصل العنصري، فإن مرحلة ما بعد عدوان الاحتلال على غزّة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، التي أفرزت ظاهرة الإبادة الجماعية، يفترض أن تنقل النقاش الفلسطيني إلى مرحلة جديدة، عنوانها يكمن في طرق إفشال عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. لقد أدّى جنوح الشارع الإسرائيلي نحو اليمين الفاشي إلى تغير نمط الصراع مع الشعب الفلسطيني، حيث انتقل الاضطهاد من مرحلة الإخضاع والسيطرة والتمييز العنصري إلى مرحلة جديدة، عنوانها محاولة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وإحلال المستوطنين الصهاينة الجدد على أنقاضه تحقيقاً للمقولة الصهيونية القائمة على فكرة أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. لقد أشار القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يونيو/ حزيران 2024 في توصيفه الاحتلال إلى أنه “عسكري واستيطاني ويمارس التمييز العنصري”، وأضيف إليه في قرار استشاري آخر صادر عن المحكمة نفسها أنه يمارس الإبادة الجماعية، تأكيداً لوصفها السابق في يناير/ كانون الثاني 2024، والناتج عن القضية التي قدّمتها دولة جنوب أفريقيا لها. المظهر الرئيسي لعدوان المشروع الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني أصبح يتمثل بالإبادة الجماعية، وخصوصاً في قطاع غزّة، في الوقت الذي تتعدّد فيه مظاهر الاضطهاد بالضفة ما بين الاحتلال العسكري والاستيطان والتمييز العنصري، علماً أنها تمارس أحد أشكال التطهير العرقي، كما جرى في مخيمات شمال الضفة الغربية، وفي تجمّعات القري البدوية. وستعمل حكومة الاحتلال اليمينية والفاشية على سحب نموذج غزّة على الضفة إذا ما نجحت بدعم من إدارة ترامب بتنفيذ مخطّطات التهجير منه. أمام هجمة الاحتلال الإبادية، وفي سياق الأزمة البنيوية للحركة الوطنية، أصبح أمام الفلسطينيين خياران رئيسان، لا بد من العمل على إنجازهما للخروج بأقل الخسائر: الأول، الصمود والعمل على إفشال مخطّط التهجير والتطهير العرقي، ويكمن الخيار الثاني بالوحدة الوطنية على قاعدة ديمقراطية تشاركية، عبر دمج الكل الوطني بمنظّمة التحرير التي لعبت دوراً مهمّاً في صقل الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الشطب والإلغاء. لقد استطاع الشعب الفلسطيني بصموده انتزاع اعترافات حوالي 160 دولة بحقه في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وشكّلت القضية الفلسطينية عنواناً لانتفاضة شعبية دولية في مواجهة حرب الإبادة الجماعية، واستنكاراً لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. نحتاج لتوفير مقوّمات الصمود وتحقيق الوحدة الوطنية، واستخدام أشكال النضال الأنسب القادرة على تحقيق الهدف، وخصوصاً المقاومة الشعبية وحملة المقاطعة والكفاح القانوني بهدف عزل دولة الاحتلال دولة مارقة ارتبط اسمها، ليس فقط بالاحتلال والتمييز العنصري، بل بالإبادة الجماعية أيضاً.