ThePalestineTime

العيدية في غزة .. حين تُعاد صياغة الفرح في زمن الشحّ

2026-03-21 - 06:34

المركز الفلسطيني للإعلام في صباحات عيد الفطر، اعتاد أطفال قطاع غزة أن يطرقوا أبواب الأقارب بلهفة، يحملون فرحهم في عيونهم الصغيرة وينتظرون “العيدية” كطقس متوارث لا يكتمل العيد بدونه. غير أن هذا المشهد، الذي شكّل لعقود جزءاً من الذاكرة الجمعية، يبدو اليوم مختلفاً على نحوٍ لافت، بعدما فرضت الحرب وأزمة السيولة واقعاً جديداً أعاد تشكيل تفاصيل الحياة، وصولاً إلى أبسط مظاهر البهجة. تحوّل رمزي... من النقود إلى البدائل لم تعد العيدية في كثير من البيوت أوراقاً نقدية كما كانت، بل تحولت إلى بدائل رمزية تعكس حجم التغير الاقتصادي، قطعة شوكولاتة، كيس صغير من الحلوى، أو لعبة بلاستيكية متواضعة، أصبحت خيارات متاحة أمام عائلات تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد. يقول محمود شريتح، وهو أب لعدة أطفال: “في كل عام كنت أخصص مبلغاً بسيطاً لأطفالي ... في كل مرة يطل فيها عيد الفطر على قطاع غزة، تستيقظ في ذاكرة السكان صورتان متناقضتان؛ واحدة قديمة مشبعة بالحياة والفرح، وأخرى حديثة مثقلة بالغياب والخسارات. وبين هاتين الصورتين، تتشكل حكاية العيد في غزة، كمرآة تعكس تحولات المكان والإنسان معاً. عيد الأمس... حين كانت التفاصيل تصنع الفرح يتحدث الحاج أحمد أبو مهادي(68 عاماً) بحنين واضح: “كنا ننتظر العيد من أول ليلة... نسمع التكبيرات، ونخرج فجراً للصلاة، وبعدها تبدأ الزيارات من بيت لبيت. لم يكن هناك شيء كثير، لكن الفرح كان كبيراً”. ويضيف لمراسلنا: “الأطفال كانوا يفرحون بأي مبلغ بسيط... العيدية لم تكن قيمة، لكنها كانت تعني كل شيء”. أما الحاجة مريم شلايل (63 عاماً) فتستعيد تفاصيل البيوت: “كنا نخبز الكعك قبل العيد بأيام، وكانت الجارات يجتمعن مع بعض... العيد كان روح جماعية، مش بس مناسبة”. عيد اليوم... طقوس مبتورة وواقع قاسٍ في المقابل، يصف سامر ثابت (45 عاماً) واقع العيد حالياً قائلاً: “اليوم نحاول نعمل أجواء عيد، لكن كل شيء مختلف... لا قدرة على الشراء، ولا نفس كما كان”. ويتابع: “حتى الزيارات خفّت... الناس مشغولة بتأمين أساسيات الحياة”. أما أم لؤي بصلة(39 عاماً)، فتقول: “أطفالي يسألونني عن ملابس العيد والعيدية، وأحياناً لا أجد جواباً... نحاول نعوضهم بأشياء بسيطة، لكن الفرق واضح”. الأطفال... ذاكرة لم تكتمل بعد الطفل “سامي” (10 سنوات) يقول: “بابا حكالي كيف كان العيد زمان، وأنهم كانوا يلعبون ويشترون ألعاب... أنا نفسي أعيش هيك يوم”. بينما تقول الطفلة “ريم” (7 سنوات): “أنا بدي العيد يكون فيه حلوى ولعب... مش مهم الفلوس”. هذه التصريحات تعكس فجوة بين جيل عاش العيد بكامل تفاصيله، وآخر يتعرف عليه من خلال الروايات فقط. الحنين... مساحة مشتركة بين الأجيال يقول الشاب “خالد” (27 عاماً): “نحن عالقون بين جيلين... نتذكر العيد الجميل، ونعيش عيداً مختلفاً تماماً. الحنين صار جزء من العيد نفسه”. ويضيف: “حتى لما نحاول نفرح، بيكون في شعور ناقص... كأن شيئاً كبيراً غائب”. ذاكرة تقاوم... والفرح الممكن رغم كل ذلك، تؤكد “أم أحمد” (50 عاماً) أن العيد لم يختفِ بالكامل: “صحيح تغيرت أشياء كثيرة، لكن نحاول نحافظ على أبسط التفاصيل... حتى لو قطعة حلوى، المهم الأطفال يفرحوا”. في غزة، لا يُقاس العيد اليوم بما كان عليه، بل بما يمكن إنقاذه منه. فبين ذاكرة مزدحمة وواقع قاسٍ، يستمر الناس في البحث عن معنى للفرح، ولو كان بسيطاً.

Share this post: