ThePalestineTime

رمضان تحت الرماد في غزة… موائد ناقصة وطقوس غابت ومقاعد تنتظر أصحابها

2026-03-15 - 10:57

المركز الفلسطيني للإعلام حين تقترب الليالي الأخيرة من شهر رمضان، كانت غزة في سنواتها الماضية تتحول إلى مدينة لا تنام؛ تتلألأ شوارعها بالفوانيس، وتضج مساجدها بالمصلين، وتزدحم البيوت بموائد الإفطار والزيارات العائلية. غير أن هذه الملامح تبدو اليوم بعيدة المنال، بعدما غيّرت الحرب والحصار وجه الحياة في القطاع، وحوّلت الشهر الذي كان عنوانًا للطمأنينة والتلاقي إلى موسم ثقيل تختلط فيه العبادة بالقلق، والموائد الرمضانية بطوابير الانتظار أمام التكايا والمطابخ الخيرية. وللعام الثالث على تواليًا يأتي رمضان على قطاع غزة في ظل حرب مدمرة خلّفت دمارًا واسعًا في المنازل والبنية التحتية، وعمّقت أزمة إنسانية خانقة يعيشها أكثر من مليوني إنسان. العطش يثقل أيام رمضان في غزة.. رحلة يومية شاقة بحثاً عن الماء وبينما كان السكان يأملون أن يخفف اتفاق وقف إطلاق النار من وطأة المعاناة، ظل الواقع الميداني هشًا، مع استمرار التوترات والخروقات التي جعلت الحياة اليومية محفوفة بالقلق وعدم الاستقرار. في هذا المشهد المثقل بالخسائر، لم تعد موائد الإفطار كما كانت، ولم تعد العائلات تجتمع حول أطباق أعدتها أمهات البيوت، بل باتت آلاف الأسر تعتمد على وجبات توزعها التكايا، في وقتٍ تراجعت فيه القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة وفقد كثيرون مصادر رزقهم. التكايا... موائد الضرورة في أحد مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، يجلس أبو سامر الخطيب أمام خيمته ينتظر وصول وجبة الإفطار التي اعتاد الحصول عليها يوميًا من إحدى التكايا. قبل الحرب كان الرجل يعمل في التجارة ويحرص على أن تكون مائدته الرمضانية عامرة بالأطباق التي تجمع أبناءه وأحفاده، أما اليوم فقد تغير كل شيء. تقول زوجته أم سامر إن رمضان لم يعد يحمل المعنى نفسه الذي عرفته العائلة لعقود طويلة. وتضيف بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: “كنا نستعد للشهر قبل أسابيع، نشتري الزينة والفوانيس ونخطط للزيارات العائلية. الآن لم يبقَ من تلك الأجواء شيء”. وتشير إلى أن تشتت أفراد العائلة بين مناطق مختلفة من القطاع وفقدان بعض الأقارب خلال الحرب جعلا فكرة “لمة رمضان” مجرد ذكرى. وتتابع: “حتى الطعام لم نعد نختاره، بل ننتظر ما يصل من التكية”. وتعتمد نسبة كبيرة من سكان قطاع غزة اليوم على المساعدات الغذائية، إذ أصبحت المطابخ الخيرية مصدر الغذاء الرئيسي لآلاف العائلات، خصوصًا أولئك الذين يعيشون في الخيام ومراكز النزوح بعد فقدان منازلهم. الخوف يسكن الليل في الأحياء الشرقية لمدينة غزة وعلى مقربة من الخط الأصفر، تبدو الحياة أكثر هشاشة. فهناك تعيش عائلة ليلى أبو العبد، التي تقول إن رمضان هذا العام يمر تحت وقع القلق الدائم. تفتقد ليلى زوجها المعتقل منذ شهور، كما تفتقد المساجد التي كانت تقصدها يوميًا لحضور الدروس الدينية وصلاة التراويح. فالكثير من المساجد في المنطقة دُمر أو تضرر خلال الحرب، ما جعل إحياء الطقوس الرمضانية أكثر صعوبة. وتقول ليلى إن الليل في حيها لم يعد هادئًا كما كان، إذ يتخلله إطلاق نار متكرر وتحليق للطائرات المسيرة، الأمر الذي يترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الأطفال. وتضيف: “الأطفال كانوا ينتظرون رمضان بفارغ الصبر، أما الآن فهم يخافون من الأصوات في الليل أكثر مما ينتظرون الإفطار”. كما تعاني العائلات في تلك المناطق من صعوبة وصول المساعدات الإنسانية، ما يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة للحصول على الماء أو الطعام، في رحلة يومية شاقة لا تخلو من المخاطر. مساجد غابت وأجواء روحانية باهتة لم تقتصر الخسائر على المنازل والبنية التحتية، بل امتدت أيضًا إلى المساجد التي كانت تشكل قلب الحياة الرمضانية في القطاع. فقد تعرضت أعداد كبيرة منها للتدمير أو الضرر، ما حرم آلاف المصلين من أداء الصلوات والاعتكاف في أجواء جماعية كما اعتادوا. وبدل صفوف المصلين الممتدة في صلاة التراويح، بات كثير من الغزيين يؤدون صلواتهم داخل بيوتهم أو الخيام، في محاولة للحفاظ على روح الشهر رغم قسوة الظروف. المقاعد الفارغة... وجع المفقودين ورغم كل التحديات، يبقى الفقدان هو الجرح الأعمق في حياة كثير من العائلات. فمحمد الحاج، وهو أب لثلاثة أبناء، لا يستطيع أن يمر يوم من رمضان دون أن يتوقف عند المقعد الذي كان يجلس عليه ابنه كريم على مائدة الإفطار. فكريم ما يزال في عداد المفقودين منذ أشهر، بعد أن فُقد أثره خلال إحدى الهجمات. ومنذ ذلك الوقت لم تتلق العائلة أي معلومات مؤكدة عن مصيره. ويقول الأب إن ابنه كان الأكثر حماسًا لإحياء العشر الأواخر من رمضان، إذ كان يحرص على تنظيم برنامج عائلي يشمل قراءة القرآن وصلاة الليل. أما شقيقته الصغيرة، فلا تزال تحتفظ بمصحفه الصغير وتضعه قرب سريرها، أملاً في أن يعود يومًا ليكمل ما بدأه. وتشير تقديرات حقوقية إلى أن آلاف الأشخاص ما يزالون في عداد المفقودين في قطاع غزة، ما يجعل هذه القضية واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إيلامًا في ظل استمرار الحرب. رمضان آخر بطعم الغياب ومع اقتراب نهاية الشهر الفضيل، يدرك سكان غزة أن رمضان هذا العام مرّ مثقلًا بالخسائر والذكريات المؤلمة. فالكثير من الطقوس التي كانت تمنح الشهر ملامحه الخاصة غابت، وحلّت مكانها حياة يومية يطغى عليها البحث عن الأمان والطعام. ومع ذلك، يحاول كثير من الغزيين التمسك بما تبقى من روح رمضان، عبر الدعاء والصبر، على أمل أن يأتي يوم تعود فيه المدينة إلى أضوائها وأسواقها وموائدها العامرة كما كانت.

Share this post: