ThePalestineTime

الأرقام المخفية للضحايا: حدود وأدوات التحكم الإسرائيلي برواية الحرب

2026-03-24 - 11:54

المركز الفلسطيني للإعلام يعيد تقرير نشرته وكالة تسنيم الإيرانية، تقدّر فيه عدد القتلى الإسرائيليين بنحو 1281 خلال أسابيع الأولى للحرب، فتح النقاش مجددًا حول آليات إعلان الخسائر في إسرائيل، ودور الرقابة العسكرية في تشكيل الرواية الرسمية، في ظل فجوة متكررة بين التقديرات غير الرسمية والأرقام المعلنة. وبحسب المعطيات التي نقلتها منصة “إسناد”، استندت تقديرات الوكالة إلى تحليل بيانات المقابر وسجلات الدفن، إلى جانب تتبع نشاط فرق متخصصة في التعامل مع الجثث، في محاولة لتجاوز ما تصفه طهران بـ”التعتيم الإسرائيلي”. غير أن هذه الأرقام تبقى موضع جدل، في سياق حرب معلومات موازية للمواجهة العسكرية. وتفيد المنصة بأن القسم العبري في الوكالة اعتمد على مقارنة معدلات الوفيات اليومية في إسرائيل، مشيرًا إلى أن المتوسط الطبيعي يبلغ نحو 150 حالة يوميًا، بينما ارتفع خلال 21 يومًا من الحرب إلى 211 حالة دفن يوميًا. ويعني ذلك، وفق هذا التقدير، زيادة يومية بواقع 61 حالة تُعزى إلى تداعيات الحرب على إيران، ما يقود إلى حصيلة إجمالية تبلغ 1281 قتيلًا كحد أدنى. ويستند التقرير إلى مراجعة بيانات مؤسسات “خيفرا كاديشا”، وهي الجهات المسؤولة عن شؤون الدفن في إسرائيل، إذ شمل الرصد عشر مقابر رئيسية، بينها مقابر في القدس وتل أبيب وحيفا وبيتح تكفا، إضافة إلى رحوفوت وأسدود. كما أشار التقرير إلى تتبع نشاط منظمة “زاكا” المتخصصة في التعامل مع الجثث في مواقع الحوادث، موضحًا أنه جرى تسجيل 703 تحركات لفرقها خلال الفترة نفسها، وهو ما اعتبرته الوكالة مؤشرًا إضافيًا على ارتفاع عدد القتلى إلى مستويات تتجاوز المعلن رسميًا. ولفتت الوكالة إلى أن هذه التقديرات لا تشمل ضحايا الهجمات الصاروخية الأخيرة التي استهدفت مناطق جنوب إسرائيل، من بينها ديمونا وعراد، ما يرجّح ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات الدفن. الرقابة العسكرية تدير الأرقام والصورة تُعد الرقابة العسكرية في إسرائيل جزءًا بنيويًا من منظومة الأمن القومي، إذ تعمل على التحكم في الصورة العسكرية والأمنية التي تُنشر للإعلام، بما يخدم تعزيز قوة الردع في وعي الخصوم. وتُعد هذه الرقابة في الوقت ذاته أداة مركزية في إدارة تدفق المعلومات، ولا سيما في أوقات الحرب. وتستند هذه الرقابة إلى عقيدة أمنية تعود إلى دافيد بن غوريون، تقوم على اعتبار إسرائيل في حالة تهديد دائم، ما يفرض إدارة الحروب بسرعة وحسم، مع الحفاظ على صورة التفوق العسكري، وهو ما يجعل التحكم في المعلومات جزءًا لا يتجزأ من المعركة نفسها. وفي هذا السياق، لا تقتصر الرقابة على منع نشر معلومات عسكرية حساسة، بل تمتد إلى “هندسة الصورة” التي تصل إلى الجمهور، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، عبر إبراز النجاحات وتقليل أثر الخسائر، بما يكرّس ما يُعرف في الأدبيات الإسرائيلية بـ“نظرية الجدار الحديدي”. بين التعتيم الجزئي وإدارة المعلومات ويُظهر نقاش المختصين تباينًا في توصيف حجم التعتيم. إذ يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي مهند مصطفى أن إسرائيل لا تستطيع إخفاء أعداد القتلى والجرحى بشكل كامل في مجتمع مفتوح نسبيًا، يتمتع بتعدد وسائل الإعلام ومنصات التواصل، خاصة في ما يتعلق بالمدنيين أو الجنود الذين تُعرف هوياتهم لاحقًا. لكن مصطفى يلفت إلى أن جوهر المسألة لا يكمن في الأرقام بحد ذاتها، بل في المعلومات المرتبطة بهذه الأرقام، إذ تمارس إسرائيل رقابة صارمة على كل ما يتعلق بتفاصيل الخسائر، وخاصة في ما يخص مواقع الاستهداف، وطبيعة الأهداف التي تعرّضت للضرب، وحجم الأضرار التي لحقت بها. ويشير إلى أن هذه المعطيات تُعد ذات قيمة استخبارية عالية، إذ إن نشرها يتيح للخصم تقييم مدى دقة ضرباته ونجاحها، وبالتالي تحسين أدائه العسكري في جولات لاحقة. ومن هنا، فإن الرقابة العسكرية لا تهدف فقط إلى ضبط الخطاب الإعلامي، بل تُعد جزءًا من إدارة المعركة نفسها، وجزءًا من إدارة الصراع في مستواه المعلوماتي. وفي هذا السياق، يوضح مصطفى أن الرقابة العسكرية في إسرائيل تعمل ضمن إطار قانوني واضح، يتيح لها منع نشر أي معلومات يمكن أن تُعتبر مضرّة بالأمن القومي، خصوصًا في أوقات الحرب، حيث تتسع صلاحياتها بشكل أكبر، ويصبح الإعلام الإسرائيلي ملزمًا بالامتثال لتعليماتها. كما يربط هذا السلوك بالبعد النفسي والاجتماعي داخل إسرائيل، إذ إن تقليل إبراز الخسائر أو حجب تفاصيلها يهدف إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ومنع تآكل ثقة الجمهور بالمؤسسة العسكرية والسياسية، خاصة في ظل انتقال المعارك إلى الداخل الإسرائيلي، وهو ما يصفه بواقع غير مسبوق في التجربة الإسرائيلية. ويخلص مصطفى إلى أن ما يجري ليس إخفاءً كاملًا للأرقام، بقدر ما هو إدارة دقيقة للمعلومات: تُعلن الأرقام التي يصعب حجبها، لكن تُخفى دلالاتها العسكرية الحقيقية، في محاولة للحفاظ على التفوق المعنوي والأمني في آن واحد، وفي محاولة للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في آن واحد. البعد المعلوماتي للحرب وتتعدد المنطلقات التي تقف خلف هذه السياسة. فمن الناحية الأمنية، تهدف إسرائيل إلى منع خصومها من تقييم دقة الضربات وفعاليتها، وهو ما قد يساعدهم على تطوير هجماتهم، وهو ما يجعل التحكم في المعلومات جزءًا من الحسابات العملياتية المباشرة. أما على المستوى السياسي والاجتماعي، فيرتبط تقليل الخسائر المعلنة بالحفاظ على تماسك ما يُعرف إسرائيليًا بـ“الجبهة الداخلية”، ومنع تراجع التأييد الشعبي للحرب، خاصة في ظل ما وصفه مختصون بـ“صدمة غير مسبوقة” داخل المجتمع الإسرائيلي نتيجة امتداد المعارك إلى الداخل. كما تُظهر تقارير إعلامية إسرائيلية أن حجم الخسائر في بعض المراحل كان “صادمًا” حتى داخل الأوساط العسكرية والإعلامية، مع تحذيرات من صعوبة استيعاب الأرقام المعلنة نفسها، فضلًا عن غير المعلنة، وهو ما يعكس حساسية الأرقام في الوعي العام الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، تبدو تقديرات وكالة “تسنيم” جزءًا من حرب أوسع على الرواية، تستخدم فيها البيانات المفتوحة وتحليل المؤشرات غير المباشرة، مثل سجلات الدفن أو حركة فرق الطوارئ، لمحاولة الطعن في مصداقية الأرقام الإسرائيلية، في مقابل منظومة قانونية إسرائيلية تتيح فرض التعتيم في زمن الحرب وتبرره باعتبارات أمنية وردعية. ويرى الباحث الإسرائيلي في الشؤون العسكرية أومير دوستري أن إسرائيل تخوض “صراعًا مركبًا” لا يقتصر على الميدان، بل يشمل إدارة المعلومات وتأثيرها في البيئة العملياتية، في ظل الدور المتزايد لوسائل التواصل في تشكيل وعي الجمهور خلال الحروب. وفي الاتجاه ذاته، يشير باحثون في الأمن والدراسات الاستراتيجية إلى أن تقييد المعلومات، خصوصًا ما يتعلق بالخسائر ومواقع الضربات، يُعد إجراءً عمليًا لمنع الخصم من الحصول على “ذكاء مفتوح المصدر” يمكن أن يُستخدم لتحسين دقة الهجمات، وهو ما يفسّر تركيز الرقابة العسكرية الإسرائيلية على التفاصيل النوعية أكثر من الأرقام المجردة. كيف تتحول الفجوات الرقمية لحرب سرديات؟ كما يقرأ باحثون آخرون هذه الظاهرة ضمن إطار أوسع هو “حرب السرديات”، حيث لا تُعد أرقام الضحايا معطيات ثابتة بقدر ما هي مواد خام تُعاد صياغتها سياسيًا وإعلاميًا. وتُظهر دراسة نشرتها مجلة الاتصال الصادرة عن دار نشر جامعة أوكسفورد، أن بيانات الضحايا في النزاعات، بما فيها حرب الإبادة على غزة، تخضع لعدة طبقات من عدم اليقين، تبدأ من لحظة جمعها ولا تنتهي عند نشرها. ويوضح الباحث مايكل هامليرز أن هذا “اللايقين” لا يرتبط فقط بصعوبة التوثيق في ظروف الحرب، بل بتعدد الجهات المنتجة للأرقام، واختلاف معايير التصنيف، مثل تعريف “المدني” و”المقاتل”، أو إدراج المفقودين ضمن القتلى أو استثنائهم. ويؤدي ذلك إلى نشوء “خرائط رقمية متضاربة” للحدث نفسه، تتيح لكل طرف بناء روايته الخاصة استنادًا إلى الأرقام التي تخدم خطابه، وتتيح لكل طرف إعادة تفسير الواقع عبر الأرقام. وتذهب الدراسة إلى أن هذه الفجوات لا تبقى تقنية، بل تتحول سريعًا إلى أداة صراع، حيث تقوم الحكومات ووسائل الإعلام بإعادة تأطير الأرقام عبر ثلاث آليات رئيسية: الانتقاء (Selection)، عبر إبراز أرقام معينة وإهمال أخرى، بما يعزز سردية محددة عن الضحية والجلاد. إعادة التفسير (Reframing)، حيث تُقدَّم الأرقام ضمن سياقات مختلفة؛ فارتفاع عدد القتلى قد يُعرض كدليل على وحشية العدو، أو في المقابل كدليل على ضرورة الحسم العسكري. التشكيك المنهجي (Delegitimization)، من خلال الطعن في مصادر الأرقام ذاتها، واتهامها بالتحيّز أو التسييس، وهو ما يؤدي إلى تقويض الثقة بأي رقم، بغضّ النظر عن دقته. وتلفت الدراسة إلى أن وسائل الإعلام لا تكتفي بنقل تلك الأرقام، بل تشارك في “بناء معناها”، عبر اختيار العناوين، وتحديد مصادر الاقتباس، وطريقة عرض البيانات، بحيث يمكن للرقم ذاته أن يستخدم للدلالة على معان متناقضة تمامًا: مرة بوصفه “حصيلة إنسانية كارثية”، ومرة بوصفه “أضرارًا جانبية في عملية عسكرية”. كما تشير إلى أن بيئة الإعلام الرقمي فاقمت هذه الظاهرة، حيث تنتشر الأرقام بسرعة دون تحقق كافٍ، ما يسمح بتضخيمها أو تقليلها أو إخراجها من سياقها الزماني والمكاني، ومع تكرار ذلك، تتشكل “حقائق بديلة” يصعب تفكيكها، حتى مع صدور بيانات تصحيحية. وتخلص الدراسة إلى أن أرقام الضحايا في الحروب لم تعد مجرد مؤشرات إنسانية، بل غدت ساحة مواجهة قائمة بذاتها، وأداة مركزية في معركة الشرعية؛ إذ تُستخدم لتحديد من يمتلك الحق الأخلاقي، ومن يتحمل المسؤولية، ومن ينجح في كسب تعاطف الرأي العام الدولي. وفي هذا السياق، تتداخل معركة الميدان مع معركة الرواية، ضمن صراع مفتوح على الحقيقة والمعنى.

Share this post: