من مكتبة القطان إلى تحت الركام.. سيرة الشهيد محمد التتر كما ترويها عمته
2026-02-07 - 14:18
المركز الفلسطيني للإعلام لم تكن حياة محمد مازن محمد التتر مجرّد سيرة شاب متفوّق أنهى دراسته الجامعية بامتياز، بل حكاية جيل كامل نشأ على المعرفة والعمل والتطوع، قبل أن تضعه حرب الإبادة الإسرائيلية في مواجهة الموت مبكراً، وهو يحاول إنقاذ الآخرين. في منشور مؤثّر على صفحتها في “فيسبوك”، استحضرت هدايا التتر، عمّة الشهيد، تفاصيل حياة ابن أخيها، مؤكدة أن الحديث عنه “ضرورة كي لا يتحوّل إلى رقم”، وكي تبقى ملامحه الإنسانية حاضرة في الذاكرة. تصف هدايا محمد بـ”المهندس الصغير الكبير”، الشاب الهادئ الوقور، كثير العمل قليل الكلام، الذي كان يعمل بصمت ويحب دينه ووطنه، ويحرص على مساعدة من حوله دون ضجيج. منذ طفولته المبكرة، بدا شغف محمد واضحاً بالأجهزة الكهربائية والألعاب الإلكترونية، إذ كان يفكّكها ويعيد تركيبها باستمرار، في ملامح مبكرة لميوله الهندسية. وإلى جانب ذلك، تميّز بتفوّقه الدراسي، وأخلاقه العالية، واحترامه لأسرته وجيرانه ومعلميه، والتزامه بحلقات تحفيظ القرآن. في المرحلة الابتدائية، ارتبط محمد بالقراءة ارتباطاً وثيقاً، وكان يواظب على زيارة مكتبة مركز القطان واستعارة الكتب والقصص، وهو ما أهّله لاحقاً للمشاركة في مسابقة “تاج المعرفة” التي نظّمتها وزارة التربية والتعليم، حيث حصل على المركز الأول على مستوى المحافظة الوسطى، والثالث على مستوى قطاع غزة. كما فاز بالمركز الأول في مسابقة إلقاء الشعر على مستوى مدارس المرحلة الإعدادية في المحافظة نفسها، في مؤشر على تنوّع اهتماماته وقدراته. ولم تتوقف ميوله عند القراءة والأدب، إذ التحق خلال المرحلة الابتدائية بدورة في محاكاة الروبوت ضمن أنشطة مركز القطان، وأظهر فيها تفوقاً لافتاً، ما مكّنه من الانتقال إلى مستويات متقدمة، نجح خلالها في تجميع لوحة إلكترونية وبرمجة روبوت شارك به في معرض تقني نظمه المركز. في المرحلة الإعدادية، بدأ محمد يتابع دورات في مجال الإلكترونيات والكهرباء عبر منصة “يوتيوب”، خاصة مع المهندس الفلسطيني وليد عيسى، الأمر الذي منحه مهارات عملية أهلته لاحقاً للعمل في هذا المجال، وهو لا يزال طالباً في عامه الجامعي الثاني. إلى جانب اهتمامه العلمي، لم ينفصل محمد عن محيطه الاجتماعي والديني. عمل متطوعاً مؤذناً ومحفظاً للقرآن في المسجد القريب من منزله، وشارك في أنشطة تطوعية لخدمة منطقته، وساعد أسرته وجيرانه، وفق ما تروي عمته. كما شارك في دورات إدارية وقيادية متعددة، ما دفع كثيرين إلى توقّع مستقبل واعد له في مجالي الهندسة والقيادة المجتمعية. أنهى محمد دراسته الثانوية العامة بتفوّق، والتحق بكلية الهندسة، تخصص إلكترونيات صناعية، ليتخرج لاحقاً بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف. وبسبب تفوقه، رشحته إدارة الجامعة للعمل معيداً، إلا أن والديه، بحسب عمته، قالا إن “الله أكرمه بما هو أفضل، وهي الشهادة في سبيله”. مع اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يتردد محمد، كما شقيقه إبراهيم، في الانخراط منذ الأيام الأولى في أعمال الإنقاذ، وإسعاف الجرحى، وانتشال الشهداء من تحت الأنقاض. وفي السابع من يناير/ كانون الثاني 2024، استشهد محمد وهو يحاول إنقاذ جثمان شقيقه إبراهيم من تحت الركام، في مشهد يلخص مسار حياته القائم على العطاء حتى اللحظة الأخيرة. تختم هدايا التتر منشورها بحديث مليء بالحنين، مستعيدة ابتسامته الهادئة، وزياراته التي كانت تحمل “الحب والود”، وداعية له بالقبول في “عليين”، وأن يجمعهم الله به في جنات الفردوس. في قصة محمد التتر، تتقاطع المعرفة مع التطوّع، والطموح مع التضحية، في نموذج لشباب فلسطينيين لم تمنحهم الحرب فرصة تحقيق أحلامهم، لكنها كرّست أسماءهم في ذاكرة المكان، بعيداً عن لغة الأرقام.