كيف تسلح إسرائيل الدين في أميركا: حملة إنجيلية لتجريم الهوية الفلسطينية
2026-02-23 - 08:06
المركز الفلسطيني للإعلام تروّج إسرائيل داخل أوساط الجماعات الإنجيلية اليمينية في الولايات المتحدة لسردية دينية تزعم أن “الهوية الفلسطينية مناقضة للمسيحية”، وذلك عبر حملة علاقات عامة تقودها شركة أميركية، ومواقع إلكترونية مخصّصة. وتأتي هذه الحملة في توقيت يتزامن مع تحولات لافتة في الرأي العام الأميركي، ولا سيما داخل أوساط الشباب والجامعات، حيث يتصاعد النقد العلني للسياسات الإسرائيلية منذ بدء الحرب على قطاع غزة. تطرح الحملة رسائلها على المتلقين بسؤالهم عن موقفهم من التدخل الأميركي لصالح إسرائيل، وما إذا كانوا يعتقدون أن هذا التدخل “سيساعد عدداً أكبر من الأفراد على فهم إسرائيل وتأييدها”. وتدار الحملة بإشراف المستشار الإعلامي الأميركي براد بريسكايل، الذي سبق أن أدار الحملتين الانتخابيتين للرئيس الأميركي دونالد ترامب عامي 2016 و2020. وتنفذها شركة (Clock Tower X) لصالح إسرائيل، مع تركيز خاص على اليمين المسيحي والإنجيليين في الولايات المتحدة، في مسعى إلى تعزيز صورة إسرائيل داخل أوساط كانت تُعدّ تقليدياً من أبرز داعميها، بحسب ما أوردته صحيفة هآرتس. وتكشف الصحيفة أن إسرائيل استعانت خلال الفترة الماضية بشركات علاقات عامة أميركية بهدف التأثير على ملايين المسيحيين الذين يرتادون الكنائس، عبر إرسال مضامين دعائية مؤيدة لها. إسرائيل تُجنّد شركات دعاية للتأثير على الرأي العام الأمريكي والذكاء الاصطناعي وجرى الكشف عن هذه الحملة من خلال وثائق قُدّمت، بموجب القانون، إلى وزارة العدل الأميركية، وتُقدّر كلفتها بنحو ستة ملايين دولار، وفق عقد مبرم مع شركة بريسكايل. وينصّ العقد رسمياً على أن هدف الحملة هو “تخطيط وتنفيذ حملة في الولايات المتحدة لمحاربة معاداة السامية”، غير أن “هآرتس” تشير إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في حشد التأييد لإسرائيل، وبناء خطاب معادٍ للفلسطينيين، فيما يجري التعامل مع معاداة السامية بصورة هامشية “تكاد تكون غائبة”. مواقع متعددة الأهداف وتصف الصحيفة الرسائل النصية بأنها “طرف جبل الجليد”، موضحة أن شركة “بريسكايل” أنشأت ما لا يقل عن سبعة مواقع إلكترونية تهدف إلى الترويج لسردية مؤيدة لإسرائيل، ومتطابقة إلى حد كبير مع أجندة حكومة بنيامين نتنياهو. ويشير متصفحون لهذه المواقع إلى أنها تروّج لمزاعم تتعلق بمنع السلطة الفلسطينية من إدارة قطاع غزة، وتشجّع على الاعتراف بالمستوطنات “بدعوى الدقة التاريخية”، كما تدّعي أن الكيان الفلسطيني “اختراع سياسي” نشأ في سياق مصالح الحرب الباردة. ومن بين هذه المواقع موقع (Culturavia)، الذي يركّز على “العلاقات الثقافية” بين إسرائيل والولايات المتحدة. ويحمل أحد عناوينه تساؤلاً يقول: “لماذا تصطدم الهوية الفلسطينية مع الأخلاق المسيحية؟”، مدعياً أن هذه الهوية “تتعارض مع المسيحية لأنها تنفي وجود الشعب اليهودي وتتبنى قيماً أخلاقية انتقائية”، وأن “المسيحيين الملتزمين بالتوراة ينبغي أن يؤيدوا حق إسرائيل في الوجود”. “فلسطين في كل مكان”.. انتفاضة الجامعات ورمزياتها ولا يهدف تصميم هذه المواقع إلى التأثير في الرأي العام بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى مخاطبة عصر الذكاء الاصطناعي، إذ جرى إعدادها بطريقة تسمح لها بالتأثير في برامج الدردشة الآلية ومحركات البحث، بحيث تنعكس مضامينها المؤيدة لإسرائيل في الإجابات المقدّمة للمتصفحين. كما تسعى هذه المنصات إلى الظهور بمظهر مراكز أبحاث أو معاهد فكرية تنشر أوراق موقف وتقدّم ما تزعم أنها “حقائق محايدة”. التخفي خلف القيم الغربية وعلى الرغم من اختلاف التصنيفات الشكلية لهذه المواقع، بين قانونية وثقافية وأمنية، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في بلورة حملة شاملة تقوم على سردية معادية للفلسطينيين. ويركّز أحد هذه المواقع، وهو (Allyvia)، على التحالف الأمني الأميركي–الإسرائيلي والتعاون العسكري بين الطرفين، ويهدف بشكل مباشر إلى التصدي للدعوات المتصاعدة، حتى داخل أوساط اليمين الأميركي، لإلغاء أو تقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل التي تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات. وتصوّر المضامين المنشورة في موقع (Allyvia) إسرائيل بوصفها شريكاً أساسياً في “الدفاع عن قيم الغرب”، وتؤكد وجود مصالح استراتيجية مشتركة، فيما تهاجم الدعوات إلى تقليص الدعم العسكري، وتصفها بأنها “ساذجة أو خطيرة”. ويعرض الموقع في صفحته الرئيسية شريط فيديو يتحدث عن برنامج “شركاء بالسلام”، الذي يروّج للرسائل النصية نفسها، ويزعم أن “سلاماً جديداً تحقق في ظل إدارة ترامب”، وأن إسرائيل “نفذت تعهداتها وقدّمت مساعدات أمنية”. أفقدت التظاهرات التي يقوم بها الطلبة في الولايات المتحدة كثيرا من السياسيين المتعصبين للصهيونية والعنصريين ضد العرب والمسلمين صوابهم، فأدلي كثيراً منهم بتصريحات تفوح منها رائحة العنصرية والوقاحة في كثير من الأحيان، وربما تكون هي المرة الأولى التي تشتعل فيها التظاهرات في الجامعات... pic.twitter.com/w0Y0WaSeFi — A Mansour أحمد منصور (@amansouraja) May 8, 2024 وفي السياق ذاته، يعرّف موقع (Cognitura) نفسه على أنه “منصة تربوية وبحثية”، ويتناول قضايا مثل علم نفس التطرف وأساليب التجنيد، فيما يختص موقع (Justorium) بالجوانب القانونية للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني والعلاقات الإسرائيلية–الأميركية، مكرّراً مزاعم تعتبر الانتقادات الموجّهة لإسرائيل استغلالاً لقيم الغرب وللمنظومة القضائية الدولية، ونتاج “حملة منظمة” يقودها الفلسطينيون ومؤيدوهم. ويروّج موقع (PaxPoint) لمزاعم “سعي إسرائيل إلى السلام”، من خلال التركيز على “اتفاقيات أبراهام”، من دون التطرّق إلى أي مسار سلام مع الفلسطينيين، بينما يصوّر السلطة الفلسطينية كـ”منظمة متطرفة ومؤيدة للإرهاب”. كما خُصّصت صفحات داخل هذه الشبكة من المواقع للحديث عمّا تصفه بـ”خطر الدعاية الفلسطينية والإيرانية والقطرية”، والتشكيك في الروايات التاريخية المرتبطة بالهوية الفلسطينية. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كشفت وثائق رسمية أن حكومة الاحتلال أبرمت مع شركات متخصصة في الدعاية والتسويق السياسي، والتي أشارت إليها “هآرتس” سلسلة عقود بملايين الدولارات، في محاولة تهدف لاستعادة صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي بعد تراجع كبير في الدعم حتى داخل أوساط اليمين المحافظ. خطاب هاكابي التوراتي يثير تساؤلات عن تبني واشنطن فكرة “إسرائيل الكبرى” سياق الحملة الإسرائيلية وتأتي هذه الحملة في سياق مغاير لما تشهده الجامعات الأميركية منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث يتصاعد حراك طلابي وأكاديمي واسع يطالب بوقف الدعم الأميركي لإسرائيل، ومحاسبة الجامعات على استثماراتها المرتبطة بالصناعات العسكرية. وقد شهدت عشرات الجامعات اعتصامات مفتوحة، واحتجاجات، وبيانات تضامن مع الفلسطينيين، في ظاهرة وُصفت بأنها الأوسع منذ حرب فيتنام. وكشف استطلاعات للرأي العام الأمريكي نشرت نتائجها في أغسطس/ آب 2025 عن تحول جذري في الموقف الأميركي تجاه إسرائيل، حيث أظهرت أن 52% من الأميركيين ينظرون إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بشكل سلبي لأول مرة منذ 28 عاما، بينما عبر 60% عن رفضهم لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة مقابل تأييد 32% فقط. كما تشير استطلاعات رأي ودراسات أكاديمية حديثة، استند إليها باحثون مثل شيري بيرمان، إلى تراجع التأييد غير المشروط لإسرائيل بين الشباب الأميركي، مقابل تنامي التعاطف مع الفلسطينيين، حيث تبدو الحملة الإسرائيلية داخل الأوساط الإنجيلية محاولة لاحتواء هذا التآكل، عبر إعادة إنتاج خطاب ديني–أخلاقي يعيد تعريف الصراع، ويصطدم في الوقت نفسه بواقع جديد داخل الجامعات والرأي العام الأميركي الأوسع. كيف يرى يهود أمريكا فلسطين؟ ويشير الكاتب والباحث الأمريكي بيتر بينارت إلى أن الأجيال الشابة في الولايات المتحدة، بمن فيهم يهود أميركيون، باتت أقل ارتباطاً بالسردية الإسرائيلية التقليدية، وأكثر استعداداً لرؤية القضية الفلسطينية من زاوية حقوق الإنسان والعدالة. ما يحدث في الجامعات الأمريكية غير مسبوق وكأن الولايات المتحدة التي تتغني بالديمقراطية تحولت لدولة قمعية خلال يوم وليلة حيث طالت اعتقالات الجامعات الأساتذة والطلاب وهنا تقوم الشرطة باعتقال البرفيسورة نويل مكافي، رئيسة قسم الفلسفة في جامعة إيموري في أتلانتا، خلال احتجاج مؤيد... pic.twitter.com/K6lH278mJE — A Mansour أحمد منصور (@amansouraja) April 25, 2024 ويناقش بينارت في مداخلته المنشورة على موقع (Harvard Divinity School) التحولات العميقة التي يشهدها الخطاب اليهودي في الولايات المتحدة، لا سيما في ما يتعلق بفكرة “الولاء السياسي لإسرائيل” بوصفها معياراً للانتماء الديني أو الأخلاقي داخل المجتمع اليهودي الأميركي. ويرى أن هذا الربط تشكّل تدريجياً في النصف الثاني من القرن العشرين، وبلغ ذروته بعد عام 1967، حين بات دعم إسرائيل يُقدَّم على أنه التزام ديني وأخلاقي غير قابل للنقاش. ويشير إلى أن هذا الخطاب يواجه اليوم تحدياً متصاعداً، خصوصاً بين الأجيال اليهودية الشابة، التي لم تعد ترى في إسرائيل تجسيداً لقيم العدالة أو التحرر التي نشأت عليها في السياق الأميركي. ويؤكد بينارت أن قطاعات واسعة من الشباب اليهودي باتت تشعر بتناقض حاد بين القيم الليبرالية التي تتبناها، مثل المساواة وحقوق الإنسان ورفض العنصرية، وبين سياسات الاحتلال والاستيطان والعنف الممنهج ضد الفلسطينيين. ويحاجج الباحث الأمريكي بأن الخطاب السائد داخل المؤسسات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة يمارس نوعاً من “الانضباط الأخلاقي”، إذ يجري اتهام الأصوات الناقدة لإسرائيل بالخيانة أو بمعاداة السامية، ما يؤدي إلى إقصاء متزايد لليهود الذين يرفضون هذا الاصطفاف القسري. تاكر كارلسون : هذه رسالة للمسيحيين، المؤيدين الأكبر لإسرائيل. نظرتهم لإسرائيل متأثرة ببدعة قديمة، تقول إن الله يفضّل أناسًا حسب حمضهم النووي. لكن المسيحية تنسف هذه الفكرة. شعب الله المختار ليس مولودًا، بل من يختار يسوع. هذه ليست رسالة معادية للسامية؛ بل جوهر العقيدة المسيحية.... pic.twitter.com/u5bK2zg4PL — 🇺🇸محمد|MFU (@mfu46) October 3, 2025 ويعتبر أن هذا النهج لا يحمي إسرائيل، بل يساهم في تعميق القطيعة بينها وبين جيل كامل من اليهود الأميركيين. كما يتناول البعد الديني للنقاش، موضحاً أن التقاليد اليهودية الأخلاقية، كما يفهمها، لا تبرر الظلم أو نفي الآخر، في حين أن الدفاع غير المشروط عن دولة قومية تمارس القمع يتناقض مع جوهر هذه التقاليد، لا سيما حين يُطلب من اليهود الأميركيين تجاهل معاناة الفلسطينيين أو إنكار وجودهم السياسي والإنساني. ويخلص بينارت إلى أن ما يشهده المجتمع اليهودي الأميركي ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل أزمة هوية عميقة، تتعلق بإعادة تعريف معنى أن يكون المرء يهودياً في القرن الحادي والعشرين، بعيداً عن اختزال هذا المعنى في الولاء لدولة أو مشروع سياسي بعينه. ويؤكد أن هذا التحول مرشح للتعمق، بالتوازي مع اتساع النقاشات داخل الجامعات الأميركية، حيث تتقاطع الأسئلة الأخلاقية والدينية مع مطالب العدالة للفلسطينيين. إرث فكري معادي للآخر وفي هذا الإطار، تستند الحملة الإسرائيلية الموجّهة إلى الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة إلى بنية فكرية وسياسية راسخة تُعرف بـ”المسيحية الصهيونية”، التي لا تنظر إلى دعم إسرائيل بوصفه خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، بل باعتباره التزاماً دينياً وعقائدياً. ويشرح الباحث الأميركي دونالد فاغنر، في دراساته حول هذا التيار، أن المسيحية الصهيونية أعادت تفسير النصوص التوراتية بما يخدم مشروعاً سياسياً معاصراً، يقوم على تبرير الاستيطان، وتطبيع نفي الوجود الفلسطيني، وتقديم الصراع باعتباره تحقيقاً لـ”نبوءة إلهية” لا نزاعاً على الأرض والحقوق. الكنائس تحولت إلى منابر للدعاية السياسية تحت مسمى "مباركة إسرائيل".. قس أمريكي ينتقد أنصار اسرائيل ويؤكد: المسيحية الصهيونية ليست مسيحية وإنها مشروع سياسي يلبس ثوب الدين! pic.twitter.com/NU842sVdf8 — بريد (@baridmedia) February 16, 2026 ويرى فاغنر أن أحد أخطر ملامح هذا التيار يتمثل في إقصائه الممنهج للمسيحيين الفلسطينيين من السردية الدينية والسياسية. فالمسيحية الصهيونية، بحسبه، لا تعترف بوجود كنائس فلسطينية أو تاريخ مسيحي عربي متجذر في الأرض المقدسة، وتتعامل مع فلسطين باعتبارها مسرحاً توراتياً خالصاً، تُمحى منه الهويات الحيّة لصالح سردية خلاصية تضع إسرائيل في مركزها الأخلاقي المطلق. ويشير فاغنر إلى أن هذا الخطاب يرتكز على تبرير الاحتلال، وينزع الطابع الإنساني عن الفلسطينيين، عبر تصويرهم كعقبة دينية أو أخلاقية في وجه “إرادة إلهية”. ومن هنا، تتحول المطالب الفلسطينية بالحرية وتقرير المصير إلى تهديد عقائدي، لا إلى قضية حقوق إنسان. ويؤكد الباحث أن هذا التأطير يسهم في إنتاج دعم أميركي غير مشروط لإسرائيل، لأنه يحرر صانعي القرار من أي مساءلة أخلاقية أو قانونية. وفي هذا السياق، تبدو الحملات الإعلامية الإسرائيلية التي تزعم تعارض “الهوية الفلسطينية مع المسيحية” امتداداً مباشراً لهذا الإرث الفكري، لا مجرد دعاية ظرفية. فهي تخاطب جمهوراً جرى إعداده فكرياً على مدى عقود لتقبّل فكرة أن الدفاع عن إسرائيل واجب ديني، وأن التعاطف مع الفلسطينيين خروج عن الإيمان ذاته. ويخلص فاغنر إلى أن تفكيك هذا الخطاب يجب أن يمر عبر مساءلة التأويلات الدينية التي حوّلت نصوصاً روحية إلى أدوات إقصاء وصراع.