جثة واحدة وحرب روايات .. كيف حوّل الاحتلال نبش المقابر إلى إنجاز سياسي؟
2026-01-27 - 09:02
المركز الفلسطيني للإعلام في عملية عسكرية وُصفت إسرائيليًا بـ”المعقّدة”، أعلن جيش الاحتلال استعادة جثة الأسير الإسرائيلي الأخير ران غفيلي من قطاع غزة، مقدّمًا الحدث بوصفه “إنجازًا غير مسبوق” يُنهي ملف الأسرى والجثامين لدى المقاومة الفلسطينية. غير أن تفكيك تفاصيل العملية وسياقها السياسي والعسكري يكشف فجوة واسعة بين الخطاب الدعائي والواقع الميداني، ويعيد طرح أسئلة جوهرية حول كلفة الخيار العسكري وجدوى ما يُسمّى “الضغط بالقوة”. بين جثمانٍ يُستعاد وآلافٍ تُهان.. ران غفيلي يفضح الاحتلال ويُسقط ورقة الابتزاز نبش المقابر... من أجل جثة واحدة استعادة الجثة جاءت بعد عملية عسكرية استمرت يومين في حي التفاح شرقي مدينة غزة، حيث استهدفت قوات الاحتلال مقبرة “البطش”. وشملت العملية نبشًا واسعًا لمئات القبور وتجريفها، واستخراج جثامين فلسطينيين نُقلت إلى معهد الطب العدلي “أبو كبير” داخل الأراضي المحتلة، للتحقق من هوية الجندي الإسرائيلي. الأورومتوسطي: نبش جيش الاحتلال مقابر غزة انتهاك صارخ لحرمة الموتى رافقت ذلك تغطية نارية كثيفة وإطلاق نار واسع لتأمين انسحاب القوات، في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية قسوة: استنفار عسكري ضخم للبحث عن جثة واحدة، في وقت لا يزال أكثر من عشرة آلاف شهيد فلسطيني تحت الأنقاض، دون أي مسار جدي للبحث أو المحاسبة. التأخير المتعمّد... والجثة كورقة سياسية وتشير المعطيات إلى أن معلومات دقيقة عن مكان الجثة كانت متوفرة منذ فترة، إلا أن القرار السياسي بتفعيل العملية تأخر عمدًا. هذا التأخير لم يكن تقنيًا، بل ارتبط بحسابات سياسية داخلية، في مقدمتها كسب الوقت والمماطلة في استحقاقات سياسية وإنسانية، أبرزها ما يتصل بفتح معبر رفح، الذي يشكّل نقطة خلاف حادة داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل. وبذلك، تحوّلت جثة الأسير إلى أداة ضغط سياسية، استُخدمت لتعطيل مسارات إنسانية أوسع، في مشهد يعكس تداخلًا فاضحًا بين القرار العسكري والحسابات الحزبية. أخذوا جثّتهم، وليذهبوا معها إلى الجحيم.. ماذا بعد؟ كانت تلك حجّتهم في استمرار حجب المساعدات، وبخاصة البيوت الجاهزة وعموم العبث في معبر رفح، لكن الحقيقة أنها كانت ذريعة، فقد كشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" اليوم أن المستوى السياسي هو الذي حال دون وصول الجيش إلى الجثة قبل أسابيع، رغم... pic.twitter.com/yy0KY6qhTx — ياسر الزعاترة (@YZaatreh) January 26, 2026 لغة الأرقام... فشل “الضغط العسكري” ورغم محاولة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي تسويق العملية بوصفها ثمرة “الضغط العسكري”، إلا أن لغة الأرقام تقوّض هذا الادعاء بوضوح: مسار التفاوض نجح في استعادة 126 أسيرًا إسرائيليًا أحياء عبر صفقات تبادل ووساطات. كما أن الخيار العسكري لم ينجح سوى في استعادة 8 أسرى أحياء طوال الحرب، في حين أن النيران الصديقة تسببت بمقتل 41 أسيرًا إسرائيليًا داخل الأسر، نتيجة القصف أو العمليات العسكرية ذاتها. هذه الأرقام لا تعكس فقط إخفاقًا عسكريًا، بل تضع علامة استفهام كبرى حول الخطاب الذي يقدّم القوة كحل وحيد. "مسرحية نتنياهو".. إسرائيليون ينتقدون "الاحتفاء" بإعادة جثمان ران غفيلي pic.twitter.com/zSwZx6Mg1S — برنامج هاشتاج (@ajmhashtag) January 26, 2026 خطاب النصر... وإغلاق ملف كان مغلقًا أصلًا في خطاب احتفالي أمام الكنيست، أعلن بنيامين نتنياهو أن إسرائيل “أغلقت ملف الأسرى والجثامين منذ عام 2014′′، مدعيًا أنه لم يعد لدى المقاومة أي أسير أو جثة إسرائيلية. غير أن مراقبين يرون أن هذا الإعلان يتجاهل حقيقة أن المقاومة الفلسطينية كانت قد قدّمت معلومات للوسطاء ضمن مسار اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة التزامها الكامل ببنوده، بما في ذلك إغلاق ملف الأسرى، قبل أن يعطّله الاحتلال عبر خروق تجاوزت 1300 خرق للاتفاق. إنجاز تكتيكي أم هروب إلى الأمام؟ بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي عادل شديد أن استعادة جثة أسير، مهما حاولت الحكومة الإسرائيلية تضخيمها، لا يمكن فصلها عن سياق سياسي مأزوم تعيشه قيادة الاحتلال. ويؤكد في تصريح لمراسلنا أن العملية، في جوهرها، لا تمثل انتصارًا عسكريًا بقدر ما تعكس عجزًا استراتيجيًا عن تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وفي مقدمتها استعادة الأسرى أحياء وكسر إرادة المقاومة. ويشير شديد إلى أن توقيت الإعلان عن العملية، وطريقة تسويقها داخليًا، يكشفان محاولة واضحة لإعادة تعويم الخطاب السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والدولية، وتآكل الثقة بجدوى استمرار الحرب. ويضيف أن تحويل جثة إلى “إنجاز وطني” يعكس أزمة قيادة أكثر مما يعكس نجاحًا ميدانيًا. ويخلص شديد إلى أن المقارنة بين نتائج التفاوض ونتائج الخيار العسكري تفضح الرواية الإسرائيلية الرسمية، مؤكدًا أن الوقائع أثبتت أن المسار السياسي كان الأقدر على إعادة الأسرى، بينما أدّى “الضغط العسكري” إلى نتائج عكسية، شملت مقتل أسرى بنيران جيشهم، وتعميق العزلة الأخلاقية والسياسية للاحتلال على الساحة الدولية. بين الجثة والنصر... سؤال المعنى وصف نتنياهو الجندي غفيلي بـ”البطل”الذي كان “أول من دخل غزة وآخر من خرج منها”، محاولًا تحميل استعادة جثة واحدة رمزية “النصر المطلق”، وربطها بوفائه بوعد “إعادة الجميع”. غير أن المشهد، بكل تفاصيله، يطرح سؤالًا أبعد من الخطاب: هل يمكن لدولة تدّعي الانتصار أن تبرر نبش مئات القبور، وتعطيل مسارات إنسانية، والتفريط بحياة أسرى أحياء، مقابل صورة سياسية تُسوّق على أنها إنجاز؟