ThePalestineTime

الاقتصاد في غزة.. من الركود إلى الانهيار الشامل

2026-02-20 - 08:56

المركز الفلسطيني للإعلام خرج قطاع غزة من الحرب مثقلاً بدمار عمراني واسع، لكن الخسارة الأعمق لم تكن في الحجر فقط، بل في الاقتصاد الذي بدا وكأنه خرج من الخدمة بالكامل. لم يعد الأمر متعلقًا بركود أو أزمة سيولة عابرة، بل بانهيار بنيوي أصاب مفاصل الإنتاج والتشغيل والدخل والنظام المالي دفعة واحدة. المؤشرات الكلية تعكس صورة قاتمة: بطالة قياسية، فقر شبه شامل، انكماش اقتصادي غير مسبوق، وتحوّل المجتمع إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات. تقرير أممي: حرب الإبادة دمرت اقتصاد غزة كلياً وتهدد بقاءها دورة الإنتاج معطلة، البنية التحتية مدمّرة، والسوق الرسمية تراجعت لصالح اقتصاد موازٍ يهيمن على المشهد. وفي هذا السياق، يقدّم الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر قراءة تفصيلية للمركز الفلسطيني للإعلام لطبيعة هذا الانهيار وتحولاته العميقة. بطالة وفقر... أرقام تكشف عمق السقوط وقال أبو قمر إن البطالة قبل الحرب كانت تقارب 43%، وهي نسبة مرتفعة أصلًا، وأضاف أن هذه النسبة ارتفعت اليوم لتتراوح حول 80%، في تطور وصفه بالخطير وغير المسبوق. وتابع أن نسبة الفقر ارتفعت من 75% إلى نحو 90%، ما يعني أن الغالبية الساحقة من السكان باتت تعيش تحت خط الفقر. وأشار إلى أن 55% من المواطنين كانوا يعتمدون على المساعدات قبل الحرب، وأضاف أن هذه النسبة وصلت اليوم إلى 95%، مؤكدًا أن هذا التحول يعكس حالة انهيار اقتصادي شامل. لرفضها التداول بالعملات الورقية.. اقتصاد غزة تغلق 9 محلات صرافة تقويض طويل سبق الحرب وأوضح أبو قمر أن الاقتصاد في غزة لم يكن مستقرًا قبل الحرب، وإن إسرائيل عملت على تقويضه عبر الحصار ومنع إدخال المواد الخام والسلع، إلى جانب عمليات القصف والتصعيدات التي أخرجت قطاعات صناعية وزراعية عن الخدمة. وأضاف أن المواطنين انجرفوا خلال سنوات الحصار نحو القطاع الخدمي، لأنه الأكثر قدرة على الصمود في بيئة مغلقة، لكنه أكد أن الحرب الأخيرة دمرت حتى هذا القطاع، ما أدى إلى سقوط شبه كامل للمنظومة الاقتصادية. تغيّرات هيكلية وتدمير القطاعات الإنتاجية وقال أبو قمر إن ما حدث ليس مجرد تراجع اقتصادي، بل تغيّر هيكلي عميق في بنية الاقتصاد. وأضاف أن القطاع الزراعي فقد أكثر من 90% من إنتاجيته، رغم أنه كان يساهم بنحو 13% من الناتج المحلي. وأشار إلى أن أكثر من 90% من المنشآت الإنتاجية تضررت، وأن المنشآت الصناعية دُمّرت كليًا أو جزئيًا. وتابع أن المواطنين توجهوا نحو القطاع الخدمي والمبادرات الصغيرة والاقتصاد الإغاثي، مؤكدًا أن هذا التحول يعكس انهيارًا بنيويًا حقيقيًا. وأضاف أنه حتى في حال فتح المعابر مستقبلًا، فإن عودة القطاعات الصناعية ستكون بطيئة جدًا في ظل حجم الدمار وتعطل البنية التحتية. انكماش تاريخي وخسارة نصف قرن من التنمية وأكد أبو قمر أن الخسائر الاقتصادية المباشرة للحرب تُقدّر بنحو 30 مليار دولار، مضيفًا أن الخسائر غير المباشرة قد تعادل هذا الرقم أو تتجاوزه. وقال إن الاقتصاد انكمش بنسبة 83% خلال عام 2024، وأضاف أن الانكماش في عام 2025 تجاوز 90%، مقارنة بانكماش لم يتعدَّ 10% خلال سنوات الحصار السابقة. وتابع أن هذه الأرقام تعني أن غزة فقدت أكثر من 50 عامًا من التنمية خلال عامي الحرب، وعادت إلى مستويات اقتصادية تشبه ستينيات القرن الماضي. سوق العمل... من الإنتاج إلى اقتصاد البقاء وأشار أبو قمر إلى أن سوق العمل تغيّر جذريًا، وقال إن العاملين عن بُعد تضرروا بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت. وأضاف أن المواطنين توجهوا نحو ما وصفه بـ”اقتصاد البقاء”، حيث انتشرت مهن مثل تصليح العملة، وإصلاح الأحذية، وخياطة الملابس، وبيع المياه وتوصيلها. وتابع أن هذا التحول يعكس انتقال الاقتصاد من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة الكفاف، مؤكدًا أن ما يجري هو انهيار بنيوي في سوق العمل. أزمة دخل وارتفاع أسعار وقال أبو قمر إن فقدان الدخل أدى إلى تراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، مضيفًا أن ارتفاع البطالة يعني انخفاض الدخل، وبالتالي ضعف القدرة على الشراء. وأوضح أن الموظفين يتلقون أنصاف رواتب، وبعضهم يحصل على نحو ألف شيكل كل شهرين، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى خمسة أضعاف سعرها الطبيعي. وأضاف أن تكلفة التنسيقات للشاحنة الواحدة تتراوح بين 300 ألف و900 ألف شيكل، ما ينعكس مباشرة على الأسعار، مؤكدًا أن الفجوة بين الدخل والأسعار أصبحت خانقة. “هندسة المجاعة” وصعود الاقتصاد الأسود ووصف أبو قمر الواقع بأنه “هندسة للمجاعة”، وقال إن إدخال الغذاء يتم بكميات محدودة وبأسعار مرتفعة في ظل دخل شبه معدوم، ما يجعل السلع خارج قدرة معظم المواطنين. وأضاف أن الاقتصاد الموازي أو الأسود بات مسيطرًا، مشيرًا إلى أن البنوك فتحت بإجراء شكلي دون حل أزمة السحب والإيداع، وأن سلطة النقد غائبة فعليًا عن التأثير. وتابع أن فئة من التجار تحكمت في السيولة والسلع عبر الاحتكار والتقطير الممنهج، ما عزز هيمنة السوق السوداء. بنية تحتية مدمّرة وشروط تعافٍ غائبة وأكد أبو قمر أن عودة الاقتصاد مستحيلة دون إصلاح البنية التحتية، وقال إن قطاع الكهرباء تكبد خسائر مباشرة تُقدّر بنحو 800 مليون دولار، فيما تضررت نحو 65% من شبكات المياه. وأضاف أن دورة الإنتاج معطلة بالكامل، مشددًا على أن إدخال المواد الخام وإصلاح الكهرباء والمياه يمثلان شرطًا أساسيًا لإعادة تشغيل الاقتصاد. وفي ختام حديثه، قال أبو قمر إن غزة لا تحتاج إلى إعادة إعمار عمراني فقط، بل إلى إعادة تأسيس اقتصادي شامل. وأضاف أن فتح المعابر، وإدخال المواد الخام، وإعادة تفعيل النظام المصرفي، وكسر احتكار السوق السوداء، تمثل شروطًا أساسية لإعادة إطلاق دورة الحياة الاقتصادية، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء الاقتصاد في حالة شلل مزمن.

Share this post: