نساء غزة.. صمود الحياة تحت ركام الحرب
2026-03-08 - 11:17
المركز الفلسطيني للإعلام في الوقت الذي يحتفل فيه العالم في الثامن من آذار بـ اليوم العالمي للمرأة، تبدو الصورة مختلفة تماماً في قطاع غزة، حيث تخوض النساء معركة يومية من أجل البقاء في ظل حرب مدمرة مستمرة منذ خريف عام 2023، خلّفت واقعاً إنسانياً شديد القسوة، وجعلت آلاف النساء يتحملن أعباء مضاعفة بعد فقدان الأزواج والمنازل ومصادر العيش. ففي خيام النزوح المنتشرة في جنوب القطاع، تحولت كثير من النساء إلى المعيل الوحيد لأسرهن، بعدما فقدن أزواجهن في القصف، أو تشتتت عائلاتهن بفعل النزوح المتكرر. في يوم المرأة العالمي.. 21 ألف أرملة بغزة يحملن عبء الفقد والحياة ولم يعد دور المرأة يقتصر على رعاية الأسرة، بل بات يشمل توفير الغذاء والمياه وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة في بيئة يطغى عليها الدمار ونقص الموارد. مسؤوليات مضاعفة في ظروف قاسية وفي خيمة مهترئة جنوب القطاع، تحاول أم يسري (42 عاماً) إشعال النار لإعداد الخبز لأطفالها الأربعة، بعد أن فقدت زوجها في قصف استهدف منزلهم في مدينة غزة. تقول إن حياتها تبدلت بالكامل منذ تلك اللحظة، إذ أصبحت الأم والأب والمعيلة في آن واحد. وتضيف أن يومها يبدأ بالبحث عن الماء، ثم جمع الحطب من بين الأنقاض لاستخدامه بديلاً عن الغاز، قبل أن تنشغل بتأمين الطعام لأطفالها في ظل نقص حاد في الإمدادات الأساسية. وتعاني غزة منذ شهور من أزمة حادة في غاز الطهي نتيجة القيود المفروضة على إدخاله إلى القطاع، ما يدفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على الحطب أو وسائل بدائية للطهي، وهو ما يضاعف الأعباء الملقاة على النساء اللواتي يقمن بمعظم الأعمال المنزلية في ظروف صعبة. نزوح متكرر وفقدان الاستقرار وتقف ميرام ماضي (35 عاماً) إلى جانب خيمتها في منطقة المواصي بخان يونس، بعد أن تنقلت مع عائلتها بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه مرات عديدة نتيجة أوامر الإخلاء والغارات الجوية. تقول إن أصعب ما واجهته خلال تلك الرحلات المتكررة هو البحث عن مكان آمن يأوي أطفالها، مشيرة إلى أن كثيراً من أماكن النزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة مثل المياه النظيفة والمرافق الصحية. وتعكس تجربة ميرام واقع آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة حياة النزوح، بكل ما تحمله من قلق دائم وانعدام للاستقرار. أرقام تعكس حجم المأساة وتكشف الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن حجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب، إذ تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً، إضافة إلى أكثر من 171 ألف مصاب. ومن بين الضحايا آلاف النساء والأطفال، فيما تشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 21 ألف امرأة فقدن أزواجهن خلال الحرب، ما جعلهن المعيلات الوحيدات لعشرات آلاف الأطفال الأيتام. كما باتت نسبة ملحوظة من الأسر في القطاع تعتمد بشكل كامل على النساء في إدارة شؤون الحياة اليومية وتأمين احتياجات العائلة. آثار نفسية عميقة ولا تقتصر المعاناة على الجوانب المعيشية، إذ تشير تقارير صادرة عن وزارة شؤون المرأة الفلسطينية إلى أن نسبة كبيرة من النساء في غزة يعانين من اضطرابات نفسية نتيجة الحرب والضغوط المتواصلة. وتوضح هذه التقارير أن معدلات الاكتئاب والقلق والأرق ارتفعت بشكل ملحوظ، في ظل ظروف النزوح وفقدان الأحبة وانعدام الإحساس بالأمان. ورغم ذلك، تحاول كثير من النساء إخفاء مخاوفهن أمام أطفالهن، حفاظاً على الحد الأدنى من الاستقرار النفسي داخل الأسرة. صمود يومي في مواجهة الانهيار وتقول سلوى طه (35 عاماً)، التي فقدت زوجها في بداية الحرب، إنها تحاول إظهار القوة أمام أطفالها الأربعة رغم الخوف الدائم من القصف. وتوضح أنها تضطر إلى كبت حزنها على أفراد عائلتها الذين فقدتهم خلال الحرب، لأن انهيارها قد ينعكس مباشرة على أطفالها الذين يعتمدون عليها في كل شيء. أما سميرة زملط (40 عاماً)، فتجمع بين رعاية أطفالها الثلاثة والاعتناء بوالد زوجها الكفيف، إذ تساعده في الحركة وترافقه إلى العيادة الصحية وتعمل على توفير احتياجاته من الدواء، إلى جانب مسؤولياتها اليومية الأخرى. المرأة... ركيزة البقاء في ظل هذه الظروف القاسية، أصبحت المرأة في غزة الركيزة الأساسية لاستمرار الحياة داخل الأسر التي مزقتها الحرب. فبين الخيام والأنقاض وطوابير المياه، تواصل النساء إدارة تفاصيل الحياة اليومية، رغم فقدان الأمان والاستقرار. ورغم ما يحيط بهن من مخاطر وضغوط نفسية واجتماعية، تقدم نساء غزة صورة استثنائية للصمود، حيث يتحول النضال من أجل الحياة إلى مهمة يومية تتطلب قدراً كبيراً من الصبر والقوة. وفي يوم يحتفي فيه العالم بإنجازات النساء، تبدو رسالة نساء غزة مختلفة: البقاء على قيد الحياة، وحماية الأطفال، والحفاظ على ما تبقى من الأمل وسط واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.