في اليوم العالمي للمياه.. حكايات يومية تكشف انهيار حق الغزيين في الحياة
2026-03-23 - 15:44
المركز الفلسطيني للإعلام فيما يحتفي العالم بـ”اليوم العالمي للمياه” بوصفه مناسبة للتذكير بأهمية هذا المورد الحيوي، يعيش سكان قطاع غزة واقعًا معاكسًا تمامًا، حيث تحوّلت المياه من حق أساسي إلى عبء يومي ثقيل. وبين دمار البنية التحتية، ونقص الإمدادات، وتلوث المصادر، وانعدام الطاقة، تكشف تفاصيل الحياة اليومية حجم المأساة التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني، في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيدًا. في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، تبدأ أم أحمد يومها بالبحث عن الماء قبل أي شيء آخر، فبدونه لا طعام ولا نظافة شخصية، وهما من أولويات الحياة داخل خيمة تأوي خمسة أطفال. منذ أن فقدت زوجها ومنزلها، باتت تقطع مسافات طويلة حاملة أوعية بلاستيكية، لتنتظر لساعات أمام صهريج قد يصل متأخرًا أو لا يصل. بين المرض والعطش تقول إن الكمية التي تحصل عليها بالكاد تكفي للشرب، بينما تحوّل الاستحمام، خصوصًا في أيام الشتاء، إلى عبء إضافي لا يقتصر على تأمين المياه، بل يتطلب أيضًا توفير الخشب لتسخينها. وتوضح أن أطفالها يستحمون مرة واحدة أسبوعيًا، وتحاول إعادة استخدام المياه ذاتها لغسل الملابس. الأصعب، بحسب قولها، هو المرض. فقد أصيب اثنان من أطفالها خلال الصيف الماضي بإسهال نتيجة شرب مياه غير نظيفة. وتضيف: “كنا نخاف القصف، اليوم نخاف العطش”، في وصف يلخص انتقال المعاناة من خطر الموت المباشر إلى تهديد بطيء ينهش تفاصيل الحياة اليومية. ولا تقتصر أزمة المياه في غزة، تحت هذا الضغط المستمر، على كونها أزمة خدماتية، بل تحوّلت إلى مأساة إنسانية مركبة تتقاطع مع الفقر والبطالة والحصار وانعدام الأفق السياسي، لتشكل حالة من الاستنزاف اليومي الذي ينهك السكان ويصادر أبسط حقوقهم. في شمال القطاع، يضطر أبو خالد إلى استخدام مياه بئر ملوثة، رغم إدراكه لمخاطرها. يصف طعمها بالمالح والمر، لكنه لا يملك بديلًا في ظل غياب صهاريج المياه وارتفاع تكلفة المياه المحلاة. وقد أصيب هو وأفراد أسرته بأمراض معوية متكررة، ومع ذلك يواصلون استخدام المصدر نفسه. ويقول: “نعرف أننا نشرب مرضًا، لكن لا خيار آخر”. وفي مناطق النزوح، تتداخل أزمة المياه مع كارثة الصرف الصحي، حيث تنتشر برك ملوثة بين الخيام، وتفوح روائح خانقة في المكان. في هذا السياق، تشير أم محمد إلى أن أطفالها يلعبون قرب تلك البرك لغياب البدائل، ما يزيد من مخاوفها من الأمراض، خاصة مع انتشار الحشرات. وتضيف أن معاناة المياه تتفاقم مع اقتراب فصل الصيف، حيث يرتفع الاستهلاك في ظل شح الموارد. وتقول: “لم نعد نعرف أيهما أخطر: العطش أم التلوث. في هذه البيئة، ومع انعدام سبل الوقاية، تصبح المياه، إن وُجدت، مصدر خطر بحد ذاتها لا مصدر حياة”. وقود شحيح ومولدات بأسعار فلكية وتترافق أزمة المياه مع انقطاع شبه تام للكهرباء، ما يمنع تشغيل المضخات المنزلية ويجعل تخزين المياه تحديًا إضافيًا. كما تعاني محطات التحلية الصغيرة من شح الوقود وارتفاع تكاليف الصيانة، ما يحد من قدرتها على تلبية احتياجات السكان. في هذا الإطار، يوضح الفتى محمد مقداد أن أسرته تعتمد عليه في تعبئة خزان المياه على سطح منزلهم المتضرر من القصف، مشيرًا إلى أن سكان الحي يتشاركون في تأمين الوقود اللازم لتشغيل مضخة المياه عبر مولد كهربائي يُشغَّل كل يومين إلى ثلاثة أيام، وفقًا لتوفر الوقود وأسعاره. ويضيف أن “توفير المياه أصبح مهمة يومية شاقة، تبدأ منذ الصباح، مع انتظار كل عائلة دورها للحصول على خرطوم المياه لمدة ساعة ونصف تقريبًا لتعبئة خزان بسعة 1000 لتر، وفي حال نجحنا، نحاول تعبئة الغالونات الفارغة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا”. ومع شح الوقود وارتفاع أسعاره إلى مستويات قياسية مقارنة بما قبل الحرب، ارتفع سعر الكيلوواط الواحد من الكهرباء من 2.5 شيكل (نحو 80 سنتًا) إلى ما بين 20 و30 شيكلًا (7 إلى 10 دولارات)، وهو ما يفوق قدرة معظم السكان. وأدى هذا الواقع إلى اختلال حاد في الخدمات الأساسية، من المستشفيات إلى شبكات المياه والمولدات. ووفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ووكالات صحية دولية، توقفت العديد من محطات ضخ المياه، ما عرض نحو 77% من مرافق المياه للخطر. الفتيات يتحملن العبء الأكبر في السياق، حذّرت سلطة المياه وجودة البيئة الفلسطينية من كارثة مائية وبيئية غير مسبوقة، نتيجة الحرب التي امتدت بين أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأكتوبر/ تشرين الأول 2025. وقالت في بيان بمناسبة اليوم العالمي للمياه، إن النساء والفتيات يقضين ما بين 6 و8 ساعات يوميًا لتأمين المياه، ما يحرمهن من التعليم والأمان والخصوصية الصحية، ويكرّس أشكالًا حادة من التمييز. وأضافت أن نحو 85% من مرافق المياه والصرف الصحي دُمّرت، وخرجت غالبية الآبار ومحطات التحلية عن الخدمة، فيما تراجع إنتاج المياه من نحو 300 ألف متر مكعب يوميًا قبل الحرب إلى أقل من 120 ألف متر مكعب مطلع العام الحالي، بعجز يتجاوز 60%. ووفق المعطيات، يحصل الفرد في غزة حاليًا على ما بين 3 و15 لترًا من المياه يوميًا، معظمها غير صالح للشرب، في حين لا يتجاوز نصيبه من المياه الصالحة للشرب ليترين فقط، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب في حالات الطوارئ وفق المعايير الدولية. كما أدى تدمير نحو 80% من منظومة الصرف الصحي إلى تدفق المياه العادمة في البيئة، مع انتشار أكثر من 25 ألف حفرة امتصاصية عشوائية، ما يشكل تهديدًا خطيرًا للخزان الجوفي ويزيد من مخاطر التلوث والأمراض. وتُقدّر تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي بنحو 800 مليون دولار، وفق تقارير فنية حديثة. ودعت سلطة المياه المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، من بينها إدخال الوقود والمولدات، وإعادة تشغيل محطة الكهرباء الوحيدة، والسماح بإدخال مواد التعقيم وقطع الغيار. كما طالبت بحلول طارئة، تشمل إنشاء محطات تحلية متنقلة قرب تجمعات النازحين، وإعلان غزة منطقة “منكوبة مائيًا”، مؤكدة أن المياه “حق إنساني”، وأن استمرار حرمان السكان منها، خصوصًا النساء والأطفال، يمثل “جريمة ضد الإنسانية” تستوجب تحركًا دوليًا فوريًا.