ThePalestineTime

وليد الخالدي.. مؤرخ الذاكرة الفلسطينية وحارس سرديتها وهويتها

2026-03-09 - 18:38

المركز الفلسطيني للإعلام بعد أشهر قليلة من احتفاء مؤسسة الدراسات الفلسطينية بمئوية ميلاده، رحل المؤرخ الفلسطيني المخضرم بروفيسور وليد الخالدي في منفاه، بعيداً عن القدس التي وُلد فيها وعن فلسطين التي كرّس عقوداً طويلة من حياته لتوثيق تاريخها وصياغة سرديتها في مواجهة الروايات المضادة. كان الخالدي من الجيل الذي أسّس للكتابة التاريخية الفلسطينية الحديثة على قواعد البحث العلمي والوثيقة الأرشيفية. ولم تقتصر جهوده على التأليف، بل امتدت إلى بناء مؤسسات بحثية وإطلاق مشاريع توثيقية واسعة. من القدس إلى الجامعات العالمية وُلد الخالدي في 16 تموز/ يوليو 1925 في القدس لعائلة الخالدي العريقة التي لعبت أدواراً سياسية وتعليمية بارزة في المدينة منذ القرن التاسع عشر. تلقى تعليمه المبكر في مدارس القدس، قبل أن يواصل دراسته في بريطانيا، حيث درس التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية في جامعة لندن، ثم أكمل دراساته العليا في جامعة أوكسفورد، التي حصل منها على درجة الماجستير عام 1951. بدأ مسيرته الأكاديمية بالتدريس في أوكسفورد، لكنه استقال عام 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، قبل أن ينتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت حيث شغل منصب أستاذ الدراسات السياسية حتى عام 1982. كما عمل زميلاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية ودرّس لاحقاً في جامعة برينستون، وظل مرتبطاً بعدد من المؤسسات الأكاديمية الدولية، كما انتُخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم. شكّل العمل المؤسسي أحد أهم جوانب مشروع الخالدي الفكري. ففي عام 1963 شارك مع المفكر السوري قسطنطين زريق والباحث الفلسطيني برهان الدجاني في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي تحولت لاحقاً إلى أحد أهم المراكز البحثية المتخصصة في دراسة القضية الفلسطينية. وتحت إشرافه تحولت المؤسسة إلى مرجع أساسي للباحثين، إذ ضمت مكتبة ووثائق ضخمة تشمل عشرات آلاف الكتب والوثائق التاريخية والصحف والدوريات المتعلقة بفلسطين منذ القرن التاسع عشر. وظل الخالدي أميناً لسر المؤسسة منذ تأسيسها، قبل أن يختاره مجلس أمنائها عام 2016 رئيساً فخرياً لها، واستمر حتى سنواته الأخيرة في المساهمة في أبحاثها ونشراتها. وفي الصيف الماضي، وبمناسبة مرور مائة عام على ميلاده، أصدرت المؤسسة ملحقاً خاصاً حول نتاجه الفكري، شارك فيه عدد كبير من الباحثين الذين تناولوا دوره في ترسيخ تقاليد البحث العلمي حول فلسطين وتكريس قيم العمل الأكاديمي الجماعي. بين الوثيقة والرواية الشفوية ارتبط اسم الخالدي بسلسلة من المؤلفات المرجعية التي شكّلت حجر أساس في دراسة تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما ما يتعلق بفترة النكبة وما سبقها. ومن أبرز أعماله كتاب “كل ما تبقى” الذي وثّق القرى الفلسطينية التي دمرت أو أُخليت عام 1948، وكتاب “قبل الشتات” الذي تناول الحياة الاجتماعية والسياسية في فلسطين قبل النكبة، إضافة إلى دراسات مفصلة عن أحداث مفصلية مثل مجزرة دير ياسين وسقوط حيفا وخطة “دالت”. كما أصدر كتاب “كي لا ننسى” الذي تحوّل إلى عمل موسوعي يوثق القرى الفلسطينية المهجّرة ويعرض تاريخها الجغرافي والاجتماعي، في محاولة للحفاظ على الذاكرة الجمعية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان. امتازت أعمال الخالدي بمحاولة الجمع بين الوثائق الأرشيفية والروايات الشفوية الفلسطينية، وهو ما منح دراساته طابعاً توثيقياً فريداً. يقول المؤرخ الفلسطيني مصطفى كبها، إن الخالدي كان من أبرز المؤرخين الذين “قدّسوا الوثيقة المكتوبة مصدراً أساسياً للكتابة التاريخية”، مضيفاً أنه ينتمي إلى الجيل الذي وضع أسس الكتابة التاريخية المهنية بعيداً عن السرديات العاطفية أو غير المنهجية. ويشير كبها إلى أن أعمال الخالدي أسهمت في تأسيس دراسات متخصصة حول القرى الفلسطينية المهجرة، لافتاً إلى أن كتابه حول هذه القرى “بات موجوداً في معظم البيوت الفلسطينية”، لما يمثله من توثيق لذاكرة المكان والإنسان. كما كان الخالدي من أوائل الباحثين الفلسطينيين الذين اعتمدوا على الأرشيفات الدولية وناقشوا الروايات التاريخية المختلفة بمنهج نقدي، في محاولة لإعادة كتابة تاريخ فلسطين من منظور علمي يستند إلى الوثائق. دور سياسي وفكري ولم تقتصر مساهمات الخالدي على المجال الأكاديمي، بل امتدت إلى المجال السياسي والدبلوماسي أيضاً. فقد شارك قبل النكبة في تمثيل الحركة الوطنية الفلسطينية والهيئة العربية العليا في الأمم المتحدة، مدافعاً عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية. كما شارك لاحقاً في صياغة خطاب ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، وأسهم في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في محادثات السلام، مع بقائه بعيداً عن المناصب الرسمية في منظمة التحرير الفلسطينية. وفي موازاة ذلك، حافظ على اهتمام خاص بالمكتبة الخالدية في القدس، التي عمل على حمايتها وتطويرها لتبقى مركزاً مهماً للبحث العلمي والذاكرة الثقافية الفلسطينية. يترك الخالدي وراءه إرثاً علمياً واسعاً يمتد على مدى أكثر من ستة عقود من البحث والتأليف والعمل المؤسسي. وقد أسهمت أعماله في تثبيت سردية فلسطينية تستند إلى الوثيقة التاريخية والبحث الأكاديمي، في مواجهة محاولات إعادة كتابة تاريخ المنطقة. ويرى الباحثون أن أهمية هذا الإرث لا تكمن في المؤلفات وحدها، وإنما في المدرسة البحثية التي أسسها، وفي الأجيال التي تخرّجت على يديه في الجامعات والمؤسسات البحثية. ويقول كبها إن الخالدي “ترك الأسس الصحيحة للكتابة التاريخية الفلسطينية”، مضيفاً أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجيل الجديد من المؤرخين “لمواصلة الطريق الذي رسمه الخالدي وتطويره”. وبين الوثيقة والذاكرة، وبين البحث الأكاديمي والعمل المؤسسي، يبقى اسم وليد الخالدي واحداً من أبرز الأسماء التي أسهمت في حفظ التاريخ الفلسطيني وصياغة سرديته الحديثة. وبرحيله يفقد البحث التاريخي الفلسطيني أحد أبرز أعمدته، فيما يبقى إرثه الأكاديمي والمعرفي شاهداً على مشروع فكري سعى إلى تثبيت الذاكرة الفلسطينية، وسيظل مفتوحاً أمام الأجيال المقبلة لاستكمال مهمة حفظ فلسطين وهويتها.

Share this post: