ThePalestineTime

اقتصاد المولدات في غزة… كهرباء تُشغَّل بالوقود وتُسعَّر بالوجع

2026-02-14 - 10:19

المركز الفلسطيني للإعلام لم تعد أزمة الكهرباء في قطاع غزة مجرد خلل خدمي طارئ، بل تحولت إلى أحد أكثر تجليات الانهيار الاقتصادي وضوحاً، بعد الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتدمير الجزء الأكبر من البنية التحتية لمنظومة الطاقة. وفي ظل هذا الواقع، نشأ اقتصاد موازٍ قائم على المولدات التجارية، أنقذ السكان من العتمة، لكنه فرض عليهم ثمناً باهظاً يتجاوز قدرتهم على الاحتمال. الكهرباء في غزة.. غياب غيّب معه الأحلام وأضاف عائلات لقوائم الفقراء منظومة منهارة بالأرقام وتشير بيانات شركة توزيع كهرباء غزة إلى أن القطاع خسر منذ بدء الحرب نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء نتيجة التوقف الكامل لمصادر التغذية. كما تجاوزت الخسائر الأولية في قطاع الكهرباء 728 مليون دولار، بعد تدمير أكثر من 70% من شبكات الكهرباء، و80% من الآليات والمركبات، و90% من المخازن، إضافة إلى تضرر واسع في المباني والمقرات. هذه الأرقام لا تعكس فقط خسائر مادية، بل تكشف شللاً شبه كامل للمنظومة الرسمية للطاقة، ما جعل أي حديث عن عودة قريبة للتيار الكهربائي عبر القنوات التقليدية أمراً بالغ التعقيد. خسائر قطاع الكهرباء تتجاوز 750 مليون دولار في قطاع غزة المولدات... الحل الوحيد في مخيم دير البلح وسط القطاع، لم يجد عمر عياش بديلاً سوى الاشتراك في أحد المولدات التجارية لتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرته. يدفع عياش أكثر من 250 شيكلاً شهرياً مقابل خدمة تقتصر على الإضاءة وشحن الهواتف، في وقت لا يمتلك فيه مصدر دخل ثابت منذ شهور. ويقول إن سعر الكيلوواط الواحد بلغ نحو 20 شيكلاً، وهو رقم يفوق قدرة أي أسرة تعيش ظروف النزوح والبطالة، موضحاً أن هذه الأسعار لا تنسجم مع تكلفة الوقود، خاصة في ظل تداول ما يُعرف بـ”السولار الصناعي”، الذي يُنتج محلياً بطرق بديلة تعتمد على معالجة مخلفات الوقود والزيوت الثقيلة والبلاستيك، رغم محدودية كفاءته ومخاطره البيئية. وبينما يفترض أن تكون المولدات حلاً مؤقتاً لسد فجوة طارئة، تحولت إلى مصدر رئيسي للطاقة، وأساس لنشاط اقتصادي جديد قائم على بيع الكهرباء بأسعار تتراوح بين 20 و30 شيكلاً للكيلوواط، ما يرفع متوسط فاتورة الأسرة إلى نحو 300 شيكل شهرياً قرابة 100 دولار أمريكي، مقابل خدمة محدودة للغاية. كهرباء غزة: اعتداءات الاحتلال تهدد خدمات 2.3 مليون مواطن سوق بلا سقف غياب الرقابة الفعلية خلال الأشهر الماضية فتح الباب أمام تفاوت كبير في الأسعار وآليات العمل، وسط اتهامات بوجود ممارسات احتكارية في بعض المناطق، حيث تتحكم جهات محددة بمزودي الخدمة داخل الأحياء والمخيمات. مؤخراً، أعلنت سلطة الطاقة في غزة عن بدء خطوات لتنظيم عمل المولدات التجارية، وربط منح التراخيص بالالتزام بالمعايير الفنية وشروط السلامة وعدم وجود مخالفات مسجلة. خطوة يُنظر إليها باعتبارها محاولة لضبط قطاع تمدد سريعاً خارج الإطار التنظيمي، وأصبح يمس الحياة اليومية لكل بيت. بين الاستثمار والضرورة يرى المهندس الكهربائي آدم حماد أن الاستثمار في قطاع المولدات يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً إذا جرى تنظيمه على أسس واضحة تضمن المنافسة وتحسين جودة الخدمة، لكنه يؤكد أن المولدات، مهما توسعت، لا يمكن أن تشكل بديلاً كاملاً عن المنظومة الرسمية للطاقة. ويشدد حماد في تصريح صحفي على أن الحل الجذري يكمن في إعادة ترميم البنية التحتية تدريجياً، وإعادة تشغيل شركة توزيع الكهرباء، لأن استمرار الاعتماد على المولدات يعني تكريس اقتصاد طوارئ طويل الأمد، يقوم على حلول مكلفة ومرهقة وغير مستدامة. انعكاس للانهيار وقال الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أزمة الكهرباء في غزة لم تعد أزمة خدمية مرتبطة بانقطاع التيار فحسب، بل تحولت إلى انعكاس مباشر للانهيار الاقتصادي الشامل الذي يعيشه القطاع، مشيراً إلى أن اقتصاد المولدات نشأ كاستجابة اضطرارية لفراغ الطاقة، لكنه سرعان ما تطور إلى عبء مالي ثقيل على المواطنين. وأضاف أبو قمر في تصريح لمراسلنا: “اقتصاد المولدات أنقذ الناس من الظلام، لكنه في المقابل يستنزف قدرتهم على البقاء. ما يدفعه المواطن اليوم مقابل الحد الأدنى من الكهرباء لا يتناسب مع مستوى الدخل شبه المعدوم، ولا مع التكلفة الفعلية للإنتاج، خاصة في ظل توفر وقود محلي بديل. ترك هذا القطاع بلا تنظيم حقيقي يعني تكريس تشوه اقتصادي جديد يقوم على استغلال الحاجة، بدل أن يكون حلاً مؤقتاً لحالة طوارئ”. وأكد أن الحل لا يمكن أن يبقى محصوراً في بدائل مكلفة، بل يجب أن يتجه نحو إعادة تشغيل المنظومة الرسمية للطاقة تدريجياً، وضبط الأسعار، وكسر أي احتكار، لأن الكهرباء ليست سلعة ترفيهية، بل خدمة أساسية تمس صمود الناس وكرامتهم.

Share this post: